الجزء الأول: 3- كتاب ”الكرازة الرسولية”

مقدمة:

الهدف الذي من أجله كتب القديس إيريناوس كتاب “الكرازة الرسولية”، واضحٌ بشكل صريح، إذ يذكر القديس إيرينيوس في السطور الأولى للكتاب أنه يقصد أن يزود ماركيانوس ب- ” مذكرة مُلخصة” في شكل نقاط أساسية يستطيع ماركيانوس بواسطتها “فهم كل أعضاء جسد الحقيقة”. وهكذا يكون كتاب “الكرازة الرسولية” هو اقدم ملخص للتعليم المسيحي، نجده معروضاً بطريقة غير جدليةٍ أو دفاعيةٍ بل بطريقةٍ إيجابية. ولهذا السبب فإن اكتشاف هذا الكتاب في بداية القرن العشرين ولّد حماساً وإثارة كبيرة؛ إذ أصبح بين ايدينا كتاب قام بتأليفه أسقف يعرّفنا عن نفسه بأنه قد عاشر أولئك الذين هم انفسهم قد عرفوا الرسل، كما أشرنا سابقاً. وهكذا يعرض إيريناوس في كتابه مضمون تعليم الرسل. ولقد وُصف هذا الكتاب بأنه مقالة “تعليمية وعظية”، يقدّم المسيحية في خطوط عامة كما كان يشرحها في ذلك العصر أسقف لرعيته. ولذلك، فإن قيمة مثل هذه الوثيقة تتجاوز ما يمكن أن نعرفه من تقدير وأهمية.

مواصلة القراءة

الجزء الأول: 2- التعليم اللاهوتي للقديس إيرينيوس

ترجع أهمية القديس إيريناوس اللاهوتية لسببين:

السبب الأول: أنه رفع القناع الذي كانت البدعة الغنوسية تغطي به تعليمها، مدّعية أن تعاليمها هو الإيمان المسيحي الصحيح، وبرفع هذا القناع استطاعت الكنيسة في عصره أن تستبعد هذه الهرطقة من الكنيسة.

والسبب الثاني: أنه نجح نجاحاً عظيماً في تحديد وتعريف عناصر إيمان الكنيسة الجامعة، الذي كان الغنوسيون ينكرونه أو يسيئون تفسيره، مما يجعله جديراً بأن يُلقب بـ”مؤسس علم اللاهوت المسيحي”.

مواصلة القراءة

02- كورنثوس الأولى 6: 12-20 – كل الأشياء تحل لكن لا يتسلط عليّ شيء

النص:

12 «كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي»، لكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تُوافِقُ. «كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي»، لكِنْ لاَ يَتَسَلَّطُ عَلَيَّ شَيْءٌ. 13 الأَطْعِمَةُ لِلْجَوْفِ وَالْجَوْفُ لِلأَطْعِمَةِ، وَاللهُ سَيُبِيدُ هذَا وَتِلْكَ. وَلكِنَّ الْجَسَدَ لَيْسَ لِلزِّنَا بَلْ لِلرَّبِّ، وَالرَّبُّ لِلْجَسَدِ. 14 وَاللهُ قَدْ أَقَامَ الرَّبَّ، وَسَيُقِيمُنَا نَحْنُ أَيْضاً بِقُوَّتِهِ. 15 أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ أَجْسَادَكُمْ هِيَ أَعْضَاءُ الْمَسِيحِ؟ أَفَآخُذُ أَعْضَاءَ الْمَسِيحِ وَأَجْعَلُهَا أَعْضَاءَ زَانِيَةٍ؟ حَاشَا! 16 أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ مَنِ الْتَصَقَ بِزَانِيَةٍ هُوَ جَسَدٌ وَاحِدٌ؟ لأَنَّهُ يَقُولُ:«يَكُونُ الاثْنَانِ جَسَداً وَاحِداً». 17 وَأَمَّا مَنِ الْتَصَقَ بِالرَّبِّ فَهُوَ رُوحٌ وَاحِدٌ. 18 اُهْرُبُوا مِنَ الزِّنَا. كُلُّ خَطِيَّةٍ يَفْعَلُهَا الإِنْسَانُ هِيَ خَارِجَةٌ عَنِ الْجَسَدِ، لكِنَّ الَّذِي يَزْنِي يُخْطِئُ إِلَى جَسَدِهِ. 19 أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي فِيكُمُ، الَّذِي لَكُمْ مِنَ اللهِ، وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ؟ 20 لأَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ. فَمَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيَ للهِ.

مواصلة القراءة

ما مدى تأثر يوحنا الإنجيلي بالجو الغنوصي في كتابته للإنجيل؟

تناول الكثير من الدارسين مناقشة فكرة تأثر يوحنا الإنجيلي بالغنوصية عند كتابته لإنجيله. وقد وجدت هذه النظرية مؤيدين ومعارضين. ونقاش هذه النظرية ليس بالأمر السهل لأن الغنوصية كما يقول أحدهم “تعبير علمي ليس له تعريف علمي مقبول بشكل واسع”. إنما يمكن أن نلتمس أنماطاً عامة تميّز الغنوصية. مثلاً: الثنائية المزدوجة، وجود كائنات وسيطة بين الله والإنسان، وساطة هؤلاء الكائنات في إحداث البشر والعالم المادي، النفس كشعاع إلهي مسجون في المادة، ضرورة المعرفة المكتسبة بالإلهام (الكشف) لتحرير الروح وقيادتها إلى النور، المحدودية العددية للقادرين على نيل هذا الإلهام، المخلّص صاحب الكشف الإلهي. لا يوجد عنصر واحد من هذه العناصر متَّفقٌ عليه أنه السمة الأساسية للغنوصية.

مواصلة القراءة

الأدب المنحول وإنجيل توما

الأدب المنحول، أو الأناجيل المنحولة، كتابات وُضِعت (معظمها) في فترة تدوين كتُب العهد الجديد، وأعطت ذاتها صفة ً شرعية، ذلك أن كتّابها نسبوها، اختلاقا، إلى الرسل أو إلى تلاميذهم.

قسّم العلماء هذه الكتب إلى ثلاثة أقسام، هي:

مواصلة القراءة

تعليقاً على ما يسمى “إنجيل يهوذا”

تبثُّ المحطة الاجنبية الفضائية المتخصصة National Geographic برنامجاً وثائقياً بعنوان “انجيل يهوذا”، مرتين في الاسبوع طوال شهر نيسان (2006). يتمحور حول موضوع هذا البرنامج حدث اعلامي انتشر عبر أبرز المجلات والصحف العالمية، وأدى الى طرح أسئلة عدة في ما يخص الصدقية التاريخية للعهد الجديد وقيمة التعليم المسيحي في الكنائس. ما يلفت الانتباه ان توقيت هذا البث يأتي في موسم احتفالات عيد الفصح والقيامة اذ اثناءه يزيد اهتمام المؤمنين بالتعمق في ايمانهم. الا ان هذا البرنامج يأتي مشككاً بأهم معتقدات المسيحيين الايمانية وبتقليدهم. في هذه المرة، وخلافاً لكتاب دان براون ولفيلم المخرج ميل غبسون اللذين تطرقا الى شخص يسوع الناصري، يسلط الضوء على شخص يهوذا وعلى ما يسمى “إنجيل يهوذا”. ما هو أصل هذه الوثيقة؟ متى كتبت وأين؟ ما هو مضمونها وما هو تأثير هذا المضمون على المسيحيين؟ هذا ما نحن في صدد معالجته في هذا المقال من خلال التطرق الى أهم النظريات التي استند اليها منتجو البرنامج المذكور. تم اكتشاف النسخة الوحيدة التي وصلت الينا من “إنجيل يهوذا” في كهف بالقرب من مدينة المنيا المصرية، في العقد السابع من القرن الماضي. واشتراها تاجر تحف واثريات من مدينة زوريخ السويسرية عام 2000. تحتوي هذه المخطوطة على احدى وثلاثين صفحة موضوعة باللغة القبطية، وهي لغة مصرية مطعّمة باليونانية القديمة تعود الى حقبة الامبراطورية الرومانية. وأخيراً توصل فريق من الباحثين، تحت اشراف البروفسور رودولف كاسر، الاستاذ المتقاعد من جامعة جنيف والمتخصص باللغة القبطية، الى ترميم المخطوطة وترجمة مضمونها. وقد أعلن هؤلاء الباحثون، قبل بضعة اشهر، نتائج أعمالهم، وقالوا ان هذه المخطوطة تعود، على الأرجح، الى النصف الثاني من القرن الثالث الميلادي، وذلك استناداً الى نتائج فحص الكاربون 14. ثمة العديد من الوثائق القبطية القديمة التي عثر عليها في منطقة مصر، منها الوثائق التي دعيت إنجيل توما وإنجيل فيليبس وإنجيل المصريين وإنجيل مريم المجدلية وإنجيل الحقيقة. وتنتمي هذه “الأناجيل” الى مكتبة نجع حمّادي الشهيرة التي اكتشفت عام 1945 ونُشرت نصوصها باللغات المعاصرة ابتداء من عام 1978.

مواصلة القراءة

البدعة الغنوسية

أثر الغنوسية ظاهراً في التعاليم التي سبقت كلها. واللفظ اليوناني غنوسيس Gnosis معناه المعرفة والحكمة. والغنوسية محاولة فلسفية دينية لتفسير الشر والخلاص منه. والغنوسيون يقولون بإله أعلى لا يدرك صدرت عنه أرواح سموها أيونات وأراكنة. وهه صدرت زوجاً فزوجاً ذكراً وأنثى فتضاءلت في الألوهية كلما ابتعدت عن مصدرها الإله الأعلى. وقالوا أن أحد هذه الأركنة أراد أن يرتفع إلى مقام الإله الأعلى فطرد من العالم المعقول. ثم أضافوا أنه صدر عن هذا الأركون الخاطئ أرواح شريرة مثله وصدر العالم المحسوس الذي لم يكن ليوجد لولا الخطيئة. فهوا والخالة هذه عالم شرّ ونقص بصانعه وبالمادة المصنوع منها. وقالوا أيضاً أن هذا الأركون الخاطئ حبس النفوس البشرية في أجسامها فكوَّن الإنسان وأن هذه النفوس تتوق إلى الخلاص وأن الناجين قليل لأن الناس طوائف ثلاث متمايزة:

مواصلة القراءة

التناسخ عند بدعة العصر الجديد

التناسخ (أو التقمص) هو انتقال نفس الإنسان بعد موته إلى جسد آخر لكي يتمكّن من الارتقاء حتى يبلغ الألوهة. وهذا المعتقد سائد في ديانات الشرق الأقصى كالهندوسية والبوذية، كما كان معروفا قديما عند بعض الفلاسفة اليونانيين كفيثاغورس وأفلاطون وعند الغنوصيّين (وهم أصحاب المعرفة أو العرفانيون)، وعند بعض الفلاسفة والأدباء المعاصرين. والتناسخ يقوم أيضا على مبدأ الفصل في الإنسان بين الروح والجسد، إذ يُعتبر الجسد من العالم المادي الرديء الذي لم يصنعه الله، وهو ليس سجن للروح السامية التي تتوق إلى التحرر. وهذا يذهب ضد الإيمان المسيحي الذي يعتبر أن الجسد مقدّس وهو ” هيكل الروح القدس” (1 كورنثوس 6: 19 ) وليس سجناً له. ولا ننس في هذا السياق التذكير بأن الجسد هو الذي ينال المعمودية وهو الذي يتناول الأسرار المقدسة وهو الذي يُمسح بالميرون والزيت المقدس… الجسد إذاً ليس سجناً ولا مادة مدنَّسة بل هو مكان للتقديس ولسكنى الله.

مواصلة القراءة

الثالوث عند كنيسة القرون الأولى

مع وصولنا الى نهاية القرن العشرين، لم يزل من الصعب الكلام عن الثالوث بشكل علمي ويبقى الكلام اليقين والصحيح في هذا الموضوع حكراً على الذين يسكنهم الروح القدس بشكل حي وفاعل. فمع أن صياغات هذه العقيدة الأساسية في المسيحية لم تتضح تعابيرها إلا أواخر القرن الرابع وذلك لضحد البدع التي مست الأقنومين الثاني والثالث، إلا أن هذا لا يعني أن كنيسة القرون الأولى لم تكن تملك الإيمان الصحيح وخاصةً هذه العقيدة الثالوثية التي يؤكد الآباء أن الإشارات اليها موجودة حتى في العهد القديم وإن لم يفهمها أهله في حينه.

مواصلة القراءة