انبثاق الروح القدس

هذه الدراسة تتطلب من القارئ سلاماً روحياً ونقاوةً قلبية ويقظة ذهنية ليستطيع بالصلاة والتأمل أن يصل إلى أفكارها العميقة.

مقدمة:

إله الوحي المسيحي إله شخصاني. هو ليس إله الفلاسفة (مُجرد جوهر بسيط أو طبيعة إلهية متعالية). إنه إله شخصاني يُخاطب الناس كأشخاص بأسمائهم ويخاطبه الناس باسمه. هذا الإله الشخص كان هكذا حتى في العهد القديم. لكن العهد الجديد كشف ملء الوحي الإلهي فعرفنا أن إله إبراهيم واسحق ويعقوب هو نفسه إله بطرس ويوحنا ويعقوب، وهو نفسه الآب والابن والروح القدس.

Continue reading

الفصل الثاني: الله والإنسان

(في محبته التي لا تحدّ، جعل الله نفسه كما نحن، من أجل أن يجعلنا كما هو)… القديس إيريناوس (رقد سنة 202).

{راجع أيضاً (مدخل إلى العقيدة المسيحية) لكوستي بندلي ومجموعة من المؤلفين، و (الرؤية الأرثوذكسية لله والإنسان) للمطران جورج خضر، منشورات النور، (الناشر)}.

الثالوث القدوس:

قال الفيلسوف الروسي فيدوروف: لقد كتب برنامجنا الاجتماعي في قلب عقيدة الثالوث. والأرثوذكسية تؤمن بشغف أن عقيدة الثالوث القدوس ليست بمثابة بحث لاهوتي رفيع يقتصر فهمه على اللاهوتيين المحترفين، بل إن للثالوث أهمية فعلية، وواقعية، بالنسبة لكل مسيحي. يعلّمنا الكتاب المقدس أن الإنسان خُلق على صورة الله، أي عند المسيحيين، على صورة الثالوث. ففي ضوء عقيدة الثالوث وحدها إذاً يستطيع الإنسان أن يفهم من هو وما الذي يريد الله له أن يكون. حياتنا الخاصة، وعلاقتنا الشخصية، وجميع مشاريعنا من أجل بناء مجتمع مسيحي، تتعلق كلها بلاهوت صحيح حول الثالوث. (فبين الثالوث والجحيم، ليس ثمة اختيار آخر) {ف. لوسكي، اللاهوت الصوفي للكنيسة الشرقية، ص64}.

Continue reading

نظرة على تعليم الكنيسة الكاثوليكية

– 1 –
تعليم الكنيسة الكاثوليكية عن سر الثالوث الأقدس

1. العهد القديم والظهورات الإلهية:

الكنيسة الكاثوليكية ترفض أو على الأقل تخفف حقيقة الظهورات الثالوثية في العهد القديم. ولا شك بأن أصول هذا الموقف ترجع إلى آراء المغبوط أوغسطين والمدرسيين (سكولاستيكيين) الذين كانوا يسلّمون بأن ملاك يهوه في ظهورات الله في العهد القديم ما هو إلا ملاك مخلوق استخدمه الكلمة الإلهي. بالرغم من إقرارهم أن الآباء رأوا فيه الكلمة الإلهي ذاته، استناداً، بصورة خاصة إلى ما جاء في (أشعياء9: 6) “ملاك الرأي العظيم أو المشورة العظيمة μεγάλης βουλής Άγγελος ” الترجمة السبعينية (LXX) أو النص العبراني “عجيباً مشيراً” قارن مع (قضاة13: 18-33 وفي ملاخي3: 1) “ملاك العهد”.

Continue reading

التباعد بين الشرق والغرب

التباعد السياسي: حين كان بولس وسائر الرسل يطوفون حوض المتوسط، لم يكن ليتجاوزوا حدود الأمبراطورية الرومانية التي كانت تسودها آنذاك وحدة سياسة وثقافية وطيدة. كانت تضم هذه الأمبراطورية مجموعات قومية ذات لغات ولهجات متنوعة، لكنها كلها كانت تخضع لحكم امبراطور واحد. وكان المثقفون في كل أرجاء الأمبراطورية يساهمون في تكوين حضارة يونانية رومانية واحدة رغم التنوع. واللغة اليونانية واللغة اللاتينية كانتا مفهومتين حيثما كان، وكثيرون هم الذين كانوا يتكلمون هذه وتلك. وهذا ما ساعد كثيراً الكنيسة الأولى في عملها البشاري.

Continue reading

الأزمة الرومانية القسطنطينية والفيليوكهِ

858-867 و877-886

نيقولاوس وفوتيوس: (861-867) وأرسل ميخائيل الثالث أعمال هذا المجمع الأول الثاني إلى البابا نيقولاووس مع أحد كتابه لاوون ومع ممثلي البابا وزودهم بهدايا كنسية ورسالة منه إلى البابا. وكتب فوتيوس أيضاً رسالة مملوءة محبة ولطفاً. وبشّر الممثلان سيدهما بما أحرزاه من نجاح في إعادة النظر في قضية اغناطيوس وبما سجّلاه من نصر لرومة في التدخل في شؤون كنيسة القسطنطينية. فارتاح نيقولاوس لذلك ووافق على الدور الذي لعبه ممثلاه في المجمع الأول الثاني ووكل إلى الأسقف رانولدو القيام بمهمة جديدة في بلاط الافرنج في خريف السنة 862 واستمر الأسقف زخريا في متابعة أعماله في روما.

Continue reading

المجمع القسطنطيني العاشر

858-867 و877-886

اضطهاد فوتيوس والإفراج عنه: (870-873) وأمر باسيليوس بنفي فوتيوس فأبعد إلى دير سكابي في البوسفور ووضع تحت رقابة فرقة من الجند. واعتراه مرض ثقيل فلم يسمحوا بطبيب يعالجه أو صديق يعزيه. وعرّوه من الكتب والأوراق ولم يسمحوا له بالكتابة إلا نادراً. وظل فوتيوس على هذه الحال ثلاث سنوات ونيف. ثم كتب رسالته المئتين والإحدى والثمانين إلى باسيليوس فقال:

Continue reading

روما والقسطنطينية قبيل الانشقاق العظيم

الانشقاق العظيم
936 – 1054

نفوذ الألمان في روما: وعني أوثون الأول الملك الألماني (936-973) بشؤون دولته فأدار دفة الحكم بحذق ومهارة وأخضع رجال الإقطاع فيها وكبح جماح الصقالبة وصد هجمات المجر. وقام في السنة 962 على رأس جيش ألماني إلى إيطالية فدخل روما وأكره أسقفها يوحنا الثاني عشر على تتويجه امبراطوراً فأسس الأمبراطورية الرومانية المقدسة التي دامت حتى السنة 1806.

Continue reading

بدء الانشقاق العظيم

الانشقاق العظيم
1054

الكاردينال هومبرتو: وكان الكاردينال هومبرتو يمين البابا ورئيس أركانه على شيء من العلم والثقافة وبعض الشيء من التقوى ولكنه كان ضيق الخلق جافي الطبع شديد التصلب صفيق الوجه لا يندى له جبين. وكان يكره اليونانيين فجاء وفي رأسه خطة وعزم على الذهاب بنفسه إلى القسطنطينية حاملاً رد البابا. فأعد باسم سيده رسالة إلى الفسيلفس شكا فيها البطريرك وأخبر بسوء فعله وأنذر بالمقابلة بالمثل وخوّف من العواقب. وأعلم بقيام وفد باباوي إلى القسطنطينية وطلب تسهيل مهمته. وكتب رسالة أخرى إلى البطريرك المسكوني أكد فيها أولوية روما وسيادتها ولام البطريرك على التلقب بالمسكوني وشك في قانونية انتخابه وأنكر عليه تطاوله على حقوق كنائس الإسكندرية وأنطاكية وأنبه على تطفله وانتقاده الطقس اللاتيني ولا سيما التقديس على الفطير ورجا الله أم يجده ممثلو البابا الذاهبون إلى القسطنطينية في التوبة والندامة!.

Continue reading

صدى الانشقاق العظيم

الانشقاق العظيم
1054 – 1098

في أنطاكية: وتولى السدة البطريركية بعد بطرس الثالث البطاركة يوحنا السادس فاميليانوس فثيودوسيوس الثاني فنقيفوروس فيوحنا السابع. وجاء في السينوذيكون بعد بطرس كل من ثيودوسيوس فنيقيفوروس فيوحنا. وجاء في مجموعة لوكيان تحت الرقم المتسلسل 96 ثيودوسيوس الثالث ثم باسيليوس الثاني 97 ثم بطرس الثالث 98 فثيودسيوس الثالث 99 فاميليانوس 100 فنيقيفوروس 1010 فيوحنا الرابع 102. وتختلف هذه المراجع في تعيين سني الرئاسة ولكنها تتقارب في تحديد بداية عهد يوحنا السابع (الرابع في المراجع الغربية). ويرى رجال الاختصاص أن رئاسة يوحنا السادس امتدت من السنة 1056 حتى السنة 1057 وأن ثيودوسيوس الثاني تولى من السنة 1057 حتى السنة 1059 وإن رئاسة اميليانوس انتهت في السنة 1079 وأن نيقيفوروس جاء بين اميليانوس وبين يوحنا السابع وأن هذا رقي العرش البطريركي في حوالي السنة 1088.

Continue reading

انبثاق الروح القدس

“ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي”
(يوحنا 15:26)

لا يّدي أحد بأن الرباط الثقافي والحضاري واللاهوتي بين الشرق والغرب كان في أوج مجده في أواخر القرن العاشر وأوائل القرن الحادي عشر عندما حدث الانشقاق البغيض بين الكنيستين الشرقية والغربية، بل على العكس كان بُعدٌ ثقافي وحضاري يسود نتيجة اندثار الإمبراطورية الرمانية في الغرب وحلول إمبراطورية شارلمان الإفرنجية ( 800 م) وإمبراطورية اوتون(Otto)  الجرمانية ( 955 ) مكانها، وفرضهما اللغة اللاتينية على جميع الشعوب المتنصّرة الخاضعة لسيطرتها كلغة رسمية مقدسة، ونتيجة الفتح العربي الذي سيطر على معظم بطريركيات الشرق، إلى أن جاءت قضية إنبثاق الروح القدس من الآب والإبن وإضافة الكنيسة الغربية عبارة “والإبن” (Filioque) على دستور الإيمان النيقاوي – القسطنطيني، فكانت هذه القضية الشعرة التي قسمت ظهر الكنيسة والشرارة التي أشعلت الخلاف بين الشرق والغرب.

Continue reading