معنى التهيئة
كادت المعمودية في الكنيسة، خلال القرون الماضية، تقتصر على Infant baptism. والمهمّ هنا أنّ هذا السرّ قد حافظ من الناحية الليتورجية، على شكله وبنيته نفسيهما حين كان يُقام من أجل المعتمدين الراشدين. وهذا واضحٌ من الطقوس التحضيرية الواردة في كتبنا الليتورجية تحتَ عنوان: الصلوات الخاصة باستقبال الموعوظين (1).
وهذه الخدمة، الموجزة نسبياً، هي العنصر الوحيد الباقي من تهيئة طويلة للمعمودية، كانت تستمر حسب تقاليد محلّية كثيرة، ما بين سنةٍ وثلاث سنوات. فكان المرشَّحون للمعمودية، الذين يُدْعَون موعوظين، يُدخَلون تدريجياً في حياة الكنيسة عَبْر طقوس خاصة تتضمّن إستقسامات لإخراج الأرواح الشريرة، وصلواتٍ، وشروحاتٍ للكتاب المقدّس، وسواها. وكانت الجماعة بكليّتها تشترك في هذه التهيئة، كونها تعدُّ نفسها لاستقبال الأعضاء الجدد. ومن هذه التهيئة المزدوجة – للموعوظين والكنيسة على السواء – نشأتْ الفترةُ الليتورجية السابقة لعيد الفصح، أي ما نسمّيه اليوم الصومَ الكبير (2). وهي فترة التهيئة النهائية والمكثَّفة لـ(الليلة المقدّسة)، وذروتُها (استنارةُ) الآتين إلى المسيح، والساعين إلى الخلاص وإلى الحياة الجديدة فيه.
فما معنى هذه التهيئة؟
إنه سؤال هامّ. فمعمودية الأطفال، التي تمارَس غالباً اليوم، تجعل بعضَ هذه الطقوس التحضيرية وكأنها مفارقات لا معنى لها. غير أنّ الأهمية الواضحة التي كانت لهذه الطقوس في الكنيسة الأولى، والتي حافظ عليها التقليد الليتورجي بإبقاء بنية (معمودية الراشدين)، تشير بوضوح إلى أنَّ الكنيسة تعتبر التهيئة جزءاً لا يتجزأ من ليتورجيا المعمودية. وتالياً، فإنّ شرح خدمة المعمودية يجب أنْ يبدأ بالإجابة عن هذا السؤال.
ولا بد أنْ ندرك أولاً أنّ التهيئة أحد الثوابت الأساسية في عبادة الكنيسة عامةً. فمن المحال أنْ ندخل في روح الليتورجيا، وأنْ نفهم معناها، ونشترك فيها، ما لم نفهم أولاً أنّها مبنيّة بصورة أساسية على إيقاع ثنائي: التهيئة والتحقيق. وهذا الإيقاع جوهريٌ في ليتورجيا الكنيسة، لأنه يُظهر ويُحقّق فعلياً، طبيعةَ الكنيسة ودورَها الثنائيين (3).
فالكنيسة تهيئة، لأنها (تعدّنا) للحياة الأبدية. ودورُها أنْ تحوِّل كاملَ حياتِنا إلى تهيئة، بأنْ تكشف لنا باستمرار، من خلال وعظها وعقيدتها وصلاتها، أنّ (القيمة) القصوى التي تمنح حياتنا معناها واتجاهها تكمن في (الأخير) و(الآتي)، وفي وضع رجائنا عليهما وانتظارهما وتوقّعهما. ومن دون هذا البعد الأساسي (للتهيئة)، يمكن القول ببساطة، إنه لا توجد مسيحية ولا كنيسة. وتالياً، فإنّ ليتورجيا الكنيسة هي في الدرجة الأولى ودائماً فعلُ تهيئة، من حيث أنّها تدل وتَنْزَع إلى ما يتجاوزها هي نفسها، وما يتجاوز الحاضر أيضاً. ودورها أن تدخلنا في تلك التهيئة، وأنْ تحوِّل حياتَنا وتقودَها إلى أنْ تتحقّق في ملكوت الله.
ولكنّ الكنيسة تحقيقٌ أيضاً. فالأحداث التي نشأتْ عنها الكنيسة وشكّلتْ مصدر إيمانها وحياتها، أحداث وقعتْ فعلاً. فالمسيح قد أتى – وبه تألّه الإنسان – ثم صعد إلى السماء. والروح القدس أتى أيضاً، ففتح لنا ملكوت الله. والنعمة أُعطيتْ، فصارت الكنيسة (سماءً على الأرض)، لأنها أدخلتْنا إلى مائدة الرب في ملكوته. وحصلنا على الروح القدس، فصار بإمكاننا أنْ نشارك منذ الآن في الحياة الجديدة والشركة مع الله.
هذه الطبيعة الثنائية للكنيسة تُكشَف لنا وتُنقَل إلينا في الليتورجيا ومن خلالها. وعمل الليتورجيا المميَّز هو أنْ تجعل الكنيسة تهيئةً دائمة، وأن تُظهر أنّها تحقيقٌ أيضاً. وهكذا يتحوّل اليومُ والأسبوعُ والعامُ، وتصبح كلُّها حقيقةً ثنائية، تربط ما (قد تَمَّ) بما (سيأتي). فنحن لا يمكن أنْ نهيِّئ أنفسنا لملكوت الله الذي (سيأتي) لو لم يكن (قد أُعطي) لنا سلفاً. ولا يمكن أنْ ننظر إلى (النهاية) على أنّها موضع حب ورجاء وشوق، لو لم تكن قد أُعلنتْ لنا في (بدايةٍ) مجيدة ومشرقة. ولا يمكننا أنْ نصلِّي: (ليأتِ ملكوتُك)، لو لم نَذُقْ مسبقاً طعم الملكوت، فلو لم تكن ليتورجيا الكنيسة (تحقيقاً)، لما أضحتْ حياتُنا (تهيئة). وهذا الإيقاع الثنائي، من التهيئة والتحقيق، ليس أمراً عَرَضيّاً، بل هو جوهر حياة الكنيسة الليتورجيّة. وهو ليس جوهرَ الحياة الليتورجيّة بمجملها وحسب، بل في كافة تفاصيلها أيضاً: أي في كل موسم، وكل خدمة، وكل سر. فكيف يكون ثمة فصح من دون السكون الأبيض في السبت المقدّس المبارك؟ وكيف يكون ثمة ظلام مهيب في الجمعة العظيمة من غير التهيئة الطويلة في الصوم الكبير؟ أوَ ليس الحزن في موسم الصوم هو الذي يتحوَّل إلى (حزن مشرق) بنور الفصح الآتي؟
إذا كانت ليتورجيا الكنيسة قد ابتعدتْ عن أنْ تكون اليوم حاجةً وفرحاً عميقين في حياة معظم الناس، فلأنهم نسوا، أو ربما لم يعرفوا أصلاً، القانونَ الليتورجي الجوهري القائمَ على التهيئة والتحقيق. فهم لا يعيشون التحقيق لأنهم يتجاهلون التهيئة. ويتجاهلون التهيئة لأنهم لا يتشوَّقون إلى التحقق. فلا عجب إذاً أن تظهر الليتورجيا وكأنها بقايا أشكال قديمة عقيمة، نسعى إلى بثّ الحياة فيها بواسطة (حفلة موسيقية) أو (احتفال كبير) مصطَنَع ولا طعم له.
والمعمودية ليست مستثناة من هذا المبدأ الأساسي. فهي تتطلّب تهيئة، ولو كان المقبِل على المعمودية لا يتجاوز الأيام القليلة من عمره، وغير قادر على فهم ما سيحصل له. فالكنيسة الأرثوذكسية لم تضع (الفهم) شرطاً للمعمودية. وهي بذلك تختلف جذرياً عن بعض الطوائف (المتعقلنة)، فتقول إنَّ (الفهم) الحقيقي يكون ممكناً بالمعمودية نفسها، أي إنه ليس شرطاً لها، بل هو ثمرتُها ونتيجتُها. فنحن بعيدون جداً عن الفكرة الجامدة القائلة بأنّ المعمودية تكون لمن (يفهمها) و(يقبلها) أي لـ(الراشدين). ولعل نعمة المعمودية الأساسية كامنة في كونها تجعلنا أولاداً، وتعيد إلينا (الطفولة) التي لا نستطيع من دونها أنْ نستقبل ملكوت الله، على حدِّ قول السيد نفسه. التهيئة إذاً فِعْلٌ نتكامل تجمع فيه الكنيسة كلَّ ما كان في البدء، وكلَّ ما يجعل التجدّد الحاصل بالمعمودية ممكناً. فالكنيسة كلّها تتغيّر وتغتني وتتحقّق كلَّما انضمَّ إلى حياتها ابن جديد لله وصار عضواً آخر في جسد المسيح.
المعموديةُ سرٌّ فصحيّ، كما ذكرنا. والفصح يعني (عبوراً) و(اجتيازاً). وهذا العبور يبدأ في طقوس التهيئة للمعمودية، ويجعل منها بدايةً حقيقيةً للسر، وتهيئةً لما سيتحقّق بالماء والروح.
فترة الموعوظية
قبل الصلوات الخاصة باستقبال الموعوظين تنفَّذ التعليمات التالية:
يحل الكاهن زنَّار الشخص المقبل على الاستنارة، وينزعه ويضعه جانباً، ثم يوقف الشخص باتجاه الشرق لابساً ثوباً واحداً فقط، حافيَ القدمين، مكشوفَ الرأس، خافضاً يديه إلى أسفل؛ وينفخ في وجهه ثلاث مرات؛ ويضع يده على رأسه…
هذه التعليمات بحاجة إلى تفسير، كما أنّ الطقوس النابعة منها يجب أن توضع في إطار التهيئة التي تسبق المعمودية.
ففي الكنيسة الأولى، كان العرّابون (الكفلاء) (4) هم الذين يقدِّمون المزمع على أنْ يصير مسيحياً إلى أسقف الكنيسة المحلّية. والعرّابون هم أعضاء في الجماعة المسيحية يمكنهم الشهادة على جدّية نوايا المرشح، وأصالةِ اهتدائه إلى الإيمان المسيحي.
لا شك أنّ الاهتداء نفسَه يبقى خارج كلّ تفسير. فنحن لا نعرف ما الذي يهدي الإنسان إلى المسيح، ولا ما يدفعه إلى الإيمان به. وعلى رغم كل المحاولات الهادفة إلى تصنيف (نماذج) متعدّدة للاهتداء أو وصفها، فإنّ العلاقة الفريدة بين الله وبين أيّ إنسان من البشر الذين خلقهم الله نفسه، تبقى سراً كبيراً. وتالياً، فإنّ تفسيرنا لا يبدأ إلاّ من اللحظة التي تفضي فيها تلك العملية السرّية إلى اتخاذ قرار علنيّ وموضوعيّ بالسعي إلى المعمودية والدخول في الكنيسة.
وهنا بالذات، كان يؤتى بالمهتدي إلى الأسقف، وهو في الكنيسة الأولى كاهنُ الجماعة المحلّية وراعيها ومعلّمها. وما أنْ يتأكّد من جدّية نواياه، حتى يكتُبَ اسمَه في سجلّ الموعوظين (5)، ثم يرسم على وجهه إشارة الصليب ثلاثاً، ويضع يده على رأسه. وهذه الطقوس الأولى تسمّى تسجيلاً، وتدل على أن المسيح قد صار مالكاً له، وسجَّله في سفر الحياة. وكان هذا التسجيل يتم، أيّام القديس الذهبي الفم، في بداية الصوم الكبير (6). أمّا اليوم فهو الخطوة الأولى في ليتورجيا المعمودية نفسها، ويعبِّر عنه الإفشين التالي:
أيها الرب الإله الحق، إني باسمك واسم ابنك الوحيد وروحك القدوس، أضع يدي على عبدك هذا الذي استحقّ أنْ يلتجئ إلى اسمكَ القدوس ويُحفظ تحت ستر جناحيك. أبعدْ منه تلك الضلالة القديمة، واملأه من الإيمان بك والرجاء عليك والمحبة إليك. لكي يعلم أنك أنت هو الإله الحقيقي وحدك، وابنك الوحيد ربنا يسوع المسيح وروحك القدوس. أعطِه أنْ يسلك في جميع وصاياك ويحفظ أوامرك التي تحيي كل إنسان يعمل بها. أكتبْه في سفر الحياة واجعْله متّحداً في رعية ميراثك ليمجّد به اسمك القدوس واسم ابنك الحبيب، ربنا يسوع المسيح، واسم روحك المحيي. ولتكنْ عيناك ناظرتين إليه بالرحمة كل حين، وأذناك سامعتين صوت تضرعه. وأبهجْه في أعمال يديه، وفي كل جنسه، لكي يعترف ساجداً لك وممجّداً اسمك العظيم المتعالي ويسبّحك كل حين، جميع أيام حياته. فإنّ لك تسبّح كل قوات السموات، ولك هو المجد أيها الآب والابن والروح القدس، الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين. آمين.
وهكذا تعطينا الكنيسة، منذ مطلع ليتورجيا المعمودية وفي الإفشين الأول، البعدَ الحقيقي لـ(الاهتداء) ومحتواه الحقّ. وأبرز ما فيه أنّه هروب من (هذا العالم) الذي سرقه العدو من يد الله فصار سجناً. الاهتداء ليس أمراً يدخل في نطاق الأفكار ويعمل على مستواها، كما يظن الكثيرون اليوم، وليس اختياراً لـ(إيديولوجية) معيّنة، أو جواباً على (مشكلات) محدّدة. فلفظة (مشكلة) لم تعرفها الكنيسة الأولى ولا الكتاب المقدّس. الاهتداء، في الحقيقة، نجاةٌ من الظلمة واليأس. فالإنسان يأتي إلى المسيح لكي يخلص، لأنّ لا خلاص بغيره. والعمل الأول في ليتورجيا المعمودية هو تقديم الحماية. فيد الأسقف – أي يد المسيح نفسه – تحمي وتظلِّل و(تستر بأجنحة…)، لأنّ ثمة صراعاً حتى الموت سيبدأ الآن، وهو صراع جدّي كما يدل الإفشين الأول.
لقد (تسجّل) الموعوظ الآن، وكُتب اسمه في سفر الحياة، وسيتّحد قريباً بـ(رعية ميراث الله)، بعد أنْ أُبلغ هدف المعمودية الأخير: أيْ استعادة الحياة الحقّة، تلك الحياة التي خسرها الإنسان بالخطيئة، وقوامها (الاعتراف والسجود والتمجيد والتسبيح للاسم العظيم المتعالي). لكننا نعلم أنّ هذا هو وصفُ (السماء) و(الأبدية) والكتاب المقدّس يذكر أنه العمل الأبدي الذي تقوم به القوات السماوية أمام عرش الله. فالخلاص، أي استعادة الحياة، هو إذاً عطية الحياة الأبدية. وهذا ما تعلنه المعمودية هدفاً لها في الخطوة الأولى من ليتورجيتها: فالحدث الحاسم قد بدأ.
استقسامات لإخراج الأرواح الشريرة
تتضمّن التهيئة للمعمودية أو (فترة الموعوظية) تعليماً واستقسامات (7). لكنّ معمودية الأطفال السائدة اليوم تجعل التعليم يتأخر إلى ما بعد إقامة السر. لذلك سنتناول في كلامنا الاستقسامات التي تلي مباشرة (الصلاة لدى استقبال الموعوظ)، في الترتيب الراهن لهذا الطقس.
قد يندهش (الإنسان المعاصر)، ولو كان أرثوذكسياً، عندما يكتشف أنّ ليتورجيا المعمودية تبدأ بكلمات موجهّة إلى الشيطان، لأنه يعتبر أنْ لا مكان له في تصوره الديني، وأنه أمر متعلّق بخرافات القرون الوسطى وبذهنية بدائية جداً. لذلك يقترح الكثيرون، وبينهم بعض الكهنة، حذفَ الاستقسامات لأنّ وجودها (في غير محله)، ولا يتناسب مع ديننا (العصري) المستنير. أمّا غير الأرثوذكسيين فيذهبون أبعد من ذلك، ويؤكِّدون الحاجة إلى (نزع الطابع الخرافي) عن العهد الجديد نفسه، وإلى (تحريره) من نظرة إلى الوجود عفاها الزمن – كالحديث عن الشيطان والشياطين – لأنّ هذه النظرة تحجب أصالة رسالة العهد الجديد وأبديتها.
لا نريد أن ْ نوجز هنا التعليم الأرثوذكسي عن الشيطان، ولو بشكل سطحي. فالواقع أنّ الكنيسة لم تَضَعْ صيغة محدّدة لهذا التعليم، أو (عقيدةً) واضحة وموجزة له. إلاّ أنّ ما يهمّنا هو كون الكنيسة قد عاشتْ دائماً خبرةَ ما هو (شيطاني)، لأنّ الشيطان كان يجرّبها باستمرار. ولكنّ هذه الخبرة المباشرة لم تتحوّل إلى عقيدة دقيقة ومُحكمة، لصعوبة – بل استحالة – التوصّل إلى تحديد عقلاني لما هو غيرُ عقلاني. فما هو (شيطاني)، والشرُّ عموماً، أمران غيرُ عقلانيين. لقد حاول بعض الفلاسفة تفسير أو (عقلنة) خبرةِ الشرِّ ووجودِه. فقالوا إنه غياب: غياب الخير. وقارنوه بالظلمة التي هي غياب النور، لأنه تتبدّد حالَ ظهوره. وقد تبنّى القائلون بالربوبية وبالفلسفة الإنسانية، على اختلافهم، هذه النظرية. وما زالت تشكِّل جزءاً متمّماً لنظرة معاصرة إلى العالم. ومن هذا المنطلق يبدو أنّ علاج كافة أنواع الشر يكمن في (التنوير) و(التربية). بمعنى أنّك إذا فسّرتَ للمراهقين ماهيّة الجنس ونزعتَ عنه (السرّية)، و(التحريم)، فإنّهم يستعملونه بشكل عقلاني، أي بشكل حسن. وإذا ضاعفتَ عدد المدارس، فإنّ الإنسان، الخيِّرَ بطبيعته، سيعيش ويتصرّف عقلانياً، أي بشكل حسن، بحكم الطبيعة.
لكنّ مفهوم الشر في الكتاب المقدّس وفي خبرة الكنيسة ليس هكذا بالتأكيد. فالشرّ ليس غياباً وحسب، بل هو حضور: حضرُ شيء مظلم، لا عقلاني، حقيقي جداً، وإنْ يكن مصدرُ ذلك الحضور غيرَ واضح ولا قابلاً للفهم الفوري. فالبعض ليس غياب المحبة وحسب، إنما هو حضورٌ لقوة مظلمة بإمكانها أنْ تكون ناشطةً جداً، وحاذقةً وحتى خلاّقة. وهو ليس نتيجة Ignorance، فبإمكاننا أنْ نعرف ونبغض في آن. وثمة أناس كلما ازدادتْ معرفتهم للمسيح ومشاهدتهم لنوره وصلاحه، ازداد بغضُهم له. وهذه الخبرة للشر، كقوة عقلانية يمكن أنْ تسيطر علينا وتوجّه أعمالنا، عاشتها الكنيسة دائماً، واختبرها كلُّ اللذين حاولوا، ولو بشكل بسيط، أن (يحسِّنوا) أنفسهم، وأن يُعارضوا (طبيعتهم) من أجل الارتقاء إلى حياة أكثرَ روحانيةً.
ما نؤكّده أولاً، أنَّ ثمة واقعاً شيطانياً: أي أنّ الشر قوةٌ مظلمة، وهو حضور وليس غياباً وحسب. إلاّ أنه يمكننا الذهاب أبعد من ذلك فنقول: إذا كانت المحبة لا يمكن أنْ توجد خارج (المُحِبّ)، أي الشخص الذي يُحِبّ، فإنّ البغض لا يمكن أنْ يوجد خارج (المبغِض)، أي الشخص الذي يبغض. وإذا كان السر النهائي لـ(الصلاح) كائنٌ في شخص، فإنّ السرّ النهائي للشر يجب أنْ يكون ذا طابع شخصي أيضاً. ولا بد أنْ يوجد شخص أو أشخاص وراء حضور الشر المظلم واللاعقلاني، وأنْ يكون ثمة عالَم شخصاني مؤلَّفٌ من الذين اختاروا أنْ يبغضوا الله والنور وأنْ يكونوا مخالفين. فمن هم هؤلاء الأشخاص؟ ومتى قرّروا أنْ يكونوا ضدّ الله؟ وكيف فعلوا ذلك ولماذا؟
والواقع أنّ الكنيسة لا تقدِّم أجوبة دقيقة عن هذه الأسئلة. فكلّما كانت الحقيقة أعمق، كلّما تضاءلتْ إمكانية تقديمها في صِيَغٍ وبيانات. ولذا، فإنّ جواب الأسئلة السابقة تغلّفه رموزٌ تتكلّم على عصيانٍ ضد الله حصل في البدء داخل العالَم الروحاني الذي خلقه الله، وقام به بعض الملائكة المدفوعين بالكبرياء. لكنّ مصدر هذا الشر لم يكن الجهل وعدم الكمال، بل المعرفةُ ودرجةٌ من الكمال تجعل تجربةَ الكبرياء ممكنة. فالشيطان، أيّاً كان، هو من أفضل خلائق الله. ويمكن القول – إذا جاز التعبير – إنّ فيه من الكمال والحكمة والقوة و(الألوهة)، ما يكفي لمعرفة الله وتسليم النفس إليه. ولكنه يختار أنْ يكون ضده، ويرغب في أنْ يتحرّر منه. وهذه الحرية غير ممكنة في المحبة والنور، لأنهما يقودان دائماً إلى الله وإلى الاستسلام الحرّ له، فلا بدّ من تحقيق تلك الحرية بالرفض والبغض والعصيان.
إنها كلمات عاجزة طبعاً وغير قادرة على الإحاطة بالسر الرهيب الذي تحاول أنْ تُعبّر عنه. فنحن لا نعرف أيّ شيء عن تلك الكارثة التي حصلتْ في البدء داخل العالم الروحاني، وعن البغض الذي أشعلتْه الكبرياء ضد الله، وعن الإتيان إلى الوجود بواقع غريب وشرير لم يُرِدْه الله ولا خَلَقَه. والأحرى أنّنا لا نعرف أيَّ شيء عن هذه الأمور إلاّ من خلال خبرتنا لذلك الواقع، أي خبرتنا للشر، وهي خبرة مستمرة لسقوطٍ ما، لشيء ثمينٍ وكاملٍ انحرَفَ عن طبيعته وخانها، خبرةٌ للصفة غير الطبيعية لتلك السقطة، التي على رغم عدم طبيعيتها، صارت جزءاً (طبيعياً) ومتمّماً لطبيعتنا. وعندما نتأمَّل الشرَّ الكامن في نفوسنا وفي العالم الكائن خارجَها، فإنّ كل التفاسير العقلانية وسائرَ المحاولات الهادفة إلى اختصار الشر في نظريات محدّدة وعقلانية ستبدو رخيصة وسطحية. وإذا كانت تلك الخبرة الروحية تعلِّمنا شيئاً، فهو أنَّ الشر لا (يفسَّر) بل يُواجَه ويُصارَع. وهكذا فَعَلَ الله بالشر. فهو لم يفسِّره، بل أرسل ابنه الوحيد لتصلبه قواتُ الشر مجتمعةً، فيقضي عليها بالمحبة والإيمان والطاعة.
وهذا هو الطريق الذي يجب أنْ نسلكه نحن أيضاً، لأنّ لا مفرَّ لنا من ذلك. ففي اللحظة التي نقرّر فيها أنْ نتبع المسيح سنلتقي فوراً بالشيطان. ولذا فإنّ طقس المعمودية، التي هي فعل تحرّر وانتصار، يبدأ بالاستقسامات. لأننا في طريقنا إلى جرن المعمودية – (نصطدم) حتماً بالشخص المظلم القوي الذي يسدّ تلك الطريق في وجهنا. وعلينا أن نزيله ونطرده من أمامنا إذا أردنا التقدّم.
عندما تلمس يدُ الكاهن رأي ابن الله وترسم عليه علامةَ المسيح، يكون الشيطان موجوداً في اللحظة نفسها ليدافع عمَّن سرقه من الله مدّعياً ملكيّتَه. قد لا نراه نحن، ولكنّ الكنيسة تعرف أنّه موجودٌ هناك. وقد لا نشعر إلاّ بـ(شأنٍ) عائلي بهيج وحميم، ولكنّ الكنيسة تعرف أنّ صراعاً مميتاً سيبدأ، وأنّ نتيجته ليست تفاسيرَ ونظرياتٍ، بل حياةٌ أبدية أو موتٌ أبدي. ونحن متورّطون جميعاً في حرب روحانية مستعرة منذ البدء، سواء أردنا ذلك أم لم نُرِدْ، وسواء عَرَفنا أم لم نعرف. صحيح أنّ الله قد حقّق نصراً حاسماً، لكنّ الشيطان لم يستسلم بعد. فالكتاب المقدّس يخبرنا أنه إذا أصيب بجرح مميت وصار على وشك الهلاك يقوم بآخر معاركه وأقواها. إنّه عاجز عن القيام بأي شيء ضد المسيح، ولكن بإمكانه أنْ يفعل الكثير ضدنا. والاستقسامات التي تُقام من أجل طرد الشياطين هي بدء هذا الصراع الذي يشكّل أوّلَ بُعدٍ أساسيٍّ من أبعاد الحياة المسيحية.
إننا نكلِّم الشيطان! وهنا يظهر بجلاء المفهوم المسيحي القائل إنّ Word هي قوة قبلَ أي شيء آخر. فـ(الإنسان المعاصر)، الذي ينظر إلى العالم نظرة (معلمنة) فينزع عنه صفة القداسة، (يختزل) Word ويحصرها في معناها العقلاني. أما في الإعلان الكتابي، فالكلمة قوة وحياة دائمتان. فالله خَلَقَ العالم بكلمته. ولكنّ الكلمة يمكن أنْ تكونَ قوةَ خلقٍ وقوةَ تدميرٍ أيضاً، فهي لا تنقل أفكاراً ومفاهيمَ وحسب، بل حقائقَ روحانيةً قد تكون إيجابيةً أو سلبيةً. وبمنظار المفهوم (الدنيويّ) للكلام، فإنّ (مخاطبة الشيطان) هي أمر دون جدوى، وقد يذهب البعض إلى حدّ اعتباره عملاً سخيفاً، انطلاقاً من استحالة إقامة (حوار عقلاني) مع من هو مَحْصَلَةُ اللاعقلانيّ نفسها. ولكنّ الاستقسامات ليست تفاسيرَ، ولا حديثاً إلى شخص يُبغِض ويُدمِّر ويَكذِب منذ البدء، بقصد إفحامه ببرهان ما. إنها، حسب قول الذهبي الفم، (أدعيةٌ رهيبةٌ وعجيبةٌ) (8)، وفعلٌ ذو قوة مخيفة مروّعة تبدّد وتدّمر قوة العالم الشيطاني الشريرة:
يا إبليس، لينتهرْك الرب الذي أتى إلى العالم وسكن في الناس ليحطم اغتصابك وينقذ البشر. الذي وهو على عودٍ قهر القوات المضادة، إذ أظلمت الشمس وتزعزعت الأرض وتفتّحت القبور وقامتْ أجساد القديسين. الذي حلّ الموت بالموت وأبطل مَنْ له عزّة الموت، أعني أنتَ يا شيطان. أقسم عليك بالإله الذي أظهر عود الحياة وأقام الشاروبيم والحربة اللهيبية المتقلبة لحراسته. إنزجرْ وانصرفْ لأني أستحلفك بذاك الذي مشى على ظهر البحر كأنه على اليبس، وانتهر عاصف الرياح، الذي نظرُه يجفِّف الأعماق ووعيدُه يذيب الجبال. هو الآن يأمرك بنا أنْ تخاف وتخرج وتنصرف من هذا المخلوق، وأنْ لا ترجع إليه ولا تختفي فيه ولا تستقبله بفعلٍ مُضر، لا في الليل ولا في النهار، لا في انتصاف النهار ولا في ساعة من الساعات، بل انطلقْ إلى الجحيم المختص بك إلى اليوم المعدِّ يوم الدينونة العظيم. ارهبْ من الله الجالس على الشاروبيم والناظر إلى الأعماق، الذي ترتعد منه الملائكة ورؤساء الملائكة والعروش والأرباب والرئاسات والسلطات والقوات والشاروبيم الكثيرو الأعين والسارافيم ذوو الستة الأجنحة، الذي تجزع منه السموات والأرض والبحار وكل ما فيها. أخرجْ وانصرفْ من الذي قد خُتم وانتُخب جندياً جديداً للمسيح إلهنا. لأني أقسم عليك بذاك الذي يمشي على أجنحة الرياح، الصانع ملائكته أرواحاً وخدّامَهُ لهيبَ نار. أخرجْ وانصرفْ من هذا المخلوق أنت وجميع قواتك وملائكتك!
الاستقسام، بالمعنى العميق للفظة اليونانية، هو Create. فهو يوضح ويحقّق ما يعلنه، ويملأ الكلماتِ بالقوة الإلهية التي نشأتْ (الكلماتُ) منها. والاستقسام قادرٌ على كل ذلك لأنه يحصل باسم المسيح، فيكون ممتلئاً بقوة المسيح الذي (اقتحم) منطقةَ العدو، والذي تأنسّ وجعل الكلمات الإنسانية كلماته هو، بتحطيمه القوة الشيطانيّة من الداخل.
وبعد إخراج القوة الشريرة يتضرّع الكاهن قائلاً:
(يا رب الصباؤوت) اطَّلعْ على عبدك هذا وافحصْه وامتحنْه وأقصِ عنه كل مفعولات الشيطان. وانتهرْ كل الأرواح النجسة واطردْهَا، مطهّراً عمل يديك منها، واستعملْ سرعة أفعالك واسحقْ الشيطان تحت قدميه سريعاً. وامنحْه الظفر عليه وعلى أرواحه النجسة. حتى إذا نال مراحمك يستحق أسرارك السماوية….
اقبله في ملكك السماوي، وافتحْ عيني ذهنه ليشرق فيه نور إنجيلك….
التحرّر من القوة الشيطانية هو بدء عودة الإنسان إلى ما يجب أنْ يكون. غير أنّ تحقيق هذه العودة يتمّ في الملكوت السماوي، حيث أُدخل الإنسان وقُبِلَ في المسيح، فصار الصعودُ إلى السماء والشركةُ مع الله و(التألُه)، المصيرَ النهائي للإنسان ودعوتَهُ الحقيقية.
حسب التعليمات الطقسية فإنّ الكاهن، أثناء الاستقسام لإخراج الشيطان من الموعوظ، (ينفخ في فم الموعوظ وفي جبهته وفي صدره ثلاث مرات). فالتنفّس هو الوظيفة البيولوجية الأساسية التي تُبقي الإنسان حياً، وفي الوقت نفسه تجعله في حاجة تامةٍ إلى العالم، لكنَّ العالم ملّوثٌ بالخطيئة والشر والموت إلى درجة الوباء. والنظرة المسيحية الأصيلة إلى العالم لا مجال فيها للفصل (المعاصر) بين (الروحي) و(المادي)، لأنها نظرة ترى الإنسان بكامله وتعرفه بكلّيته، أي في الوحدة العضوية القائمة بين ما هو روحيٌّ وما هو ماديٌّ فيه، وحاجةُ كلٍّ منهما إلى الآخر. ولما كان العالم مسمّماً ومريضاً، فإنّ فعلَ التحرّر لا يكون (روحانياً) وحسب، بل يكون (مادياً) أيضاً: إنه تنقيةُ الهواء الذي نتنشّقه، والذي يستعيد نقاءه وكونه عطية من الله، بفعل إخراج الشياطين. والتحرّر هو أيضاً استعادة للحياة، بصفتها حاجة إلى الله، كما كانت الحياةُ التي نفخها الله في الإنسان منذ البدء.
ويتابع الكاهن:
أَبْعدْ عنه كل روحٍ شريرٍ نجس مخفي ومعشِّش في قلبه…. روحَ الضلالة، روحَ الشر، روحَ عبادة الأصنام وكلَّ شَرَهٍ واستكثار، روحَ الكذب وكلَّ نجاسة مفعولةٍ بحسب تعليم إبليس. واجعله خروفاً ناطقاً في رعيّة مسيحك المقدّسة، وعضواً مكرَّماً لكنيستك وابناً ووارثاً لملكوتك، لكي يسلك بحسب وصاياك ويحفظ الختم غير منفك ويصونَ اللباس غيرَ مدنّس فينال غبطة القديسين في ملكوتك.
لقد تمّتْ الاستقسامات، والتحرّر الأول قد حصل، استُعيد الإنسان مخلوقاً حراً مؤهّلاً للحرية الحقيقية. وهي ليست ما ندعوه اليوم حريةً، أي ما يجعل الإنسان عبداً دائماً لرغباته وشهواته، بل تلك الحريةُ القادرة على قبول الحياة الحقيقية الآتية من الله والقائدة إليه، الحريةُ القادرة على اعتماد الاختيار الوحيد الحر والمحرِّر، أي اختيار الله، وهذا الاختيار بالذات هو الخطوة التالية في ليتورجيا المعمودية.
Satan's rejection
رفض الشيطان الذي تليه مباشرةً موافقةُ المسيح، كانا يحصلان عادةً قبيل المعمودية نفسها، أي يوم الجمعة العظيمة أو سبت النور (9)، لأنهما نهاية فترة التعليم التحضيري وتمامُها، وهما يقامان، حسب الترتيب الحالي، بعد الاستقسامات:
ثم يأمر الكاهنُ الموعوظَ أنْ يتحوّل نحو الغرب، وهو عارٍ وحافي القدمين ورافعاً يديه إلى فوق.
(… أنْ يتحوّل جهة الغرب…). الغرب هنا يرمز إلى الظلمة، إنه (جهة) الشيطان (10) الذي يواجهه الموعوظ فعلياً، لأنّ الاستقسامات جعلتْه حراً لكي يرتدّ عنه ويتحدّاه ويرفضه. وهذا التحوّل نحو الغرب هو فعل حرية، بل أوَّل عمل حرّ للإنسان الذي تحرَّر من عبودية الشيطان.
(… وهو عارٍ وحافي القدمين ورافعاً يديه إلى فوق…). يجرَّد الموعوظ من كل ما أخفى عنه مرتبته كعبد وجعله يظهر وكأنه إنسانٌ حر، فلم يعرف عبوديته وشقاءه وسجنه. ولكنه يعرف الآن أنه كان أسيراً، (والأسرى يسيرون عراةً وحفاةَ القدمين) (11). لقد نحّى جانباً كلَّ ما أخفى عبوديته للشيطان وستر ملكيَّته له، وصار (يعرف من أي شر يُخَلَّص وإلى أي صلاح يُسرع…) (12). ويداه المرتفعتان تشيران إلى أنه يستسلم للمسيح، ويريد أن يصبح عبداً له، ويسعى نحو العبودية التي يقول عنها الذهبي الفم إنها (تحوِّل العبودية إلى حرية… وتُخْرِجُ الإنسان من أرضٍ غريبة وتقودُه إلى وطنه: أورشليم السماوية…) (13)
ويسأله الكاهن ثلاث مرات: – أترفض الشيطان وكل أعماله وجميع ملائكته وكل عبادته وسائر أباطيله (كبريائه)؟
فيجيب الموعوظ (أو العرّاب) ثلاثاً: – نعم، أرفض الشيطان.
ثم يعيد الكاهن سؤال الموعوظ ثلاث مرات أيضاً: – أرفضتَ الشيطان؟
وبعد أنْ يجيب الموعوظ (أو عرّابه) ثلاثاً: – نعم قد رفضتُ الشيطان،
يقول له الكاهن: – أنفثْ وابصقْ على الشيطان.
عندما ظهر طقس رفض الشيطان إلى الوجود، كان معناه واضحاً كل الوضوح بالنسبة إلى الموعوظ وإلى كامل الجماعة المسيحية على السواء. فقد كانوا يعيشون في عالم وثني يملأ حياتَه ما يسمى: Pompa diaboli أي عبادة الأصنام، والاشتراك في عبادة الإمبراطور، وعبادة المادة، الخ… (14). ولم يكن الموعوظ مدركاً ماهية ما يرفضه وحسب، بل كان واعياً أيضاً أنّ هذا الرفض يُلْزِمُه بأنْ يسير في (طريق ضيّق) وأنْ يعيش حياةً صعبة، غير (ممتثلة) لـ(طريقة حياة) البشر الذين حوله ومتعارضةً معها جذرياً.
غير أنّ معنى هذا الرفض أخذ يغيب تدريجياً منذ أنْ صار العالم (مسيحياً) فاعتبر أنَّه قد توحّد مع الإيمان المسيحي والعبادة المسيحية. وهكذا أصبح الناس ينظرون إلى هذا الرفض، وكأنه طقسٌ عفاه الزمن لأنه ينطوي على مفارقة تاريخية، أو كأنه أمرٌ غريب يجب عدم أخْذِه بالجدّية اللازمة. فقد اعتاد المسيحيون على النظر إلى المسيحية كجزء متمِّم للعالم، إلى حدّ أنّ مجرّد التفكير في وجود توتّر أو خلاف بين إيمانهم المسيحي والعالم، غائبٌ تماماً عن حياتهم. وعلى رغم انهيار العوالم والإمبراطوريات والأمم والدولة المسيحية انهياراً تاعساً، فإنّ الكثيرين من المسيحيين مستمرون في اعتقادهم بعدم وجود أي خطأ أساسيّ في هذا العالم، وأنّ بإمكان الإنسان أنْ يقبل بسرور (طريقة حياة) العالم، وكلّ قيمه و(أولوياته)، وأنْ يتمّم في الوقت نفسه (مسؤولياته الدينية). وقد ينظر بعضهم إلى الكنيسة نفسِها وإلى المسيحية ذاتها، على أنهما من الوسائل التي تساعد في إحراز حياةٍ دنيوية ناجحة وسليمة، وفي معالجةٍ (روحيةٍ) تزيلُ كلّ توتر وخلاف وتمنح (سلام الفكر) الذي يضمن النجاح والاستقرار والسعادة. أمّا مجرد التفكير في أنّ على المسيحي رفضَ شيءٍ ما، وأنّ هذا الشيء ليس بضعة أفعالٍ يعلم الجميع أنها شريرة وغيرُ أخلاقية، بل هو قبل كل شيء رؤيةٌ معيّنة للحياة، ومجموعةُ (أولويات)، وموقفٌ أساسيّ من العالم، وأنّ الحياة المسيحية هي دائماً (طريق ضيق)، أمّا هذه الأمور كلُّها فقد تخلينا عنها عملياً، ولم تعدْ من صلب نظرتنا المسيحية إلى العالم.
والحقيقة الفظيعة، أنَّ معظم المسيحيين لم يعدْ بإمكانهم أنْ يُعاينوا وجودَ الشيطان وعملَه في هذا العالم، وفقدوا شهورهم بالحاجة إلى رفض (أعماله وعبادته). إنهم لا يتبيّون الوثنيةَ الواضحة (المعشّشة) في أفكار البشر وقيمهم، وهي تقولب حياتهم وتوجّهها وتستعبدها بشكل يفوق عبادة الأصنام في الوثنية القديمة. إنهم لا يُبصرون أنّ (الشيطاني) يكمن بالحقيقة في التزييف والتزوير، وفي جعل كل شيء ينحرف عن معناه الحقيقي حتى القيم الإيجابية نفسها، وفي تقديم الأسود على أنّه أبيض أو العكس، وفي الكذب الماكر الأثيم وفي اللغط. إنهم لا يدركون أنّ المفاهيم ذات الإيجابية الواضحة، حتى المسيحيةَ منها، كـ(الحرية) و(التحرير) و(المحبة) و(السعادة) و(النجاح) و(التحصيل) و(النمو) و(تحقيق الذات)، وهي المفاهيم التي تقولب الإنسان والمجتمع المعاصرين وتحدّد حوافزهما وإيديولوجيتهما. لا يدركون أنّ من الممكن أن تنحرف عن مغزاها الحقيقي لتصبح أداةً لنقل (الشيطاني).
جوهرُ (الشيطاني) هو دائماً الكبرياء Pompa diadoli وحقيقة (الإنسان المعاصر)، سواءٌ أكان ممتثلاً للقانون والأعراف أم ثائراً عليها ورافضاً إياها، تكمن في أنه أولاً وقبل كل شيء كائنٌ مملوءٌ بالكبرياء وعابدٌ لها ومسيَّرٌ بواسطتها، لذلك يضعها في أول لائحة قيمه.
وهكذا يظهر أنّ رفض الشيطان ليس رفضاً لكائن خرافي، قد لا نعتقد حتى بوجوده، بل هو رفضٌ كاملٌ لـ(نظرة إلى العالم) مكوَّنةٍ من الكبرياء وإثبات الذات، ورفضٌ للكبرياء نفسها، لأنها أخذت الحياة البشرية الحقيقية من الله وحوّلتْها إلى ظلمة وموت وجحيم.
والأمر المؤكَّد أنّ الشيطان لن ينسى الرفض والارتداد والتحدّي، الكامنة كلها في عبارة: (أنفثْ وابصقْ على الشيطان). فثمة حربٌ أُعلنتْ، وصراعٌ قد بدأ، وستكون النتيجة إمّا حياةً أبديةً أو موتاً أبدياً. وهذا هو مغزى المسيحية! وهذا هو، في النهاية، معنى اختيارنا!
1- راجع (الصلاة على الموعوظ) في كتاب (الأفخولوجي الكبير) الذي عني بتعريبه الأسقف رفائيل هواويني، بيروت 1955، وفي كتاب (مختصر الأفخولوجي)، الذي أشرف على طبعه سرجيوس أسقف سلفكية، دمشق 1964.
2- راجع كتاب المؤلف (الصوم الكبير)، ترجمة الأب ابراهيم سروج، طرابلس 1978. وعن (فترة الموعوظية)، راجع:
_H. Leclercq، (Cathéchèse، cathéchumène)، in Dictionnaire d’Archéologie Chrétienne et de Liturgie 2، 2 (1910) 25 30-79.
_J. Daniélou، (L’institution cathéchumenale aux premiers siècles)، in documentation cathéchistique (Commission nationale de l’enseignement religieux)، Dijon، 1957، pp. 27-36.
_La Maison Dieu 10 (1947): (L’initiation chrétienne); and 58 (1959): (Du cathécuménat à la confirmation).
3- في موضوع الليتورجيا بوصفها (تهيئة وتحقيقاً)، راجع كتاب المؤلف (الصوم الكبير) المذكور آنفاً، ص 33- 46.
4- صار تعيين (العرّابين) اليوم تعييناً اسمياً. وفي رأيي أننا يجب أن نفهم معناه ووظيفته كما كانا في السابق، وأن نستعمله اليوم لأنه ممكن وضروري في آن. وقد ورد ذكر العرّابين في كتاب (التقليد الرسولي)، 15:
(فليمتحن المرشحون للمعمودية في سبب إقبالهم على الإيمان. وليشهد أولئك الذين يقدّمونهم عما إذا كانوا مستعدين لسماع الكلمة. وليُسأل عن سيرة حياتهم وطريقة سلوكهم…)
وقد كتب الأب Finn في كتابه (The Liturgy of Baptism in the Baptismal Instructions of St. john Chrysostom):
(اشتدت الحاجة إلى العرّابين، وخصوصاً منذ بداية القرن الرابع… بسبب ازدياد عدد المقبلين إلى الكنيسة ازدياداً كبيراً. ولم يكن في إمكان ممثلي الكنيسة، في المدن الكبرى مثل إنطاكية، أن يعرفوا خُلُق المرشحين العديدين الراغبين في المعمودية أو طباعهم. ولم يكن في إمكانهم توفير الاهتمام الخاص والضروري من أجل تربية مسيحية كاملة. وهكذا فإنّ العرّاب، إضافة إلى كونه كفيلاً، صار معلّماً ومرشداً أيضاً) (ص 54- 55).
وقال ثيوذوروس الموبسويستي:
(أمّا أنت أيها المقبل إلى المعمودية، فاعلم أنّ شخصاً يُعَيَّن في الوقت المناسب يُدَوِّن اسمك في سِفر الكنيسة، وإلى جانب اسم عرّابك الذي يُسأل عنك، ويصير مُرشِدَك في المدينة، ودليلَ مواطنيتك فيها. ويحصل هذا لتعرف قبل الأوان، وأنت ما زلتَ على الأرض، أنك مسجّل في المساء، وأنّ عرّابك المقيم فيها لديه الاهتمام الكافي ليعلّمك، أنتَ الغريب عن تلك المدينة والقادم إليها حديثاً، كل ما يختص بها وبالمواطنية فيها، لكي تصير ملمّاً بحياتها، دونما حرج أو قلق…) (في المعمودية، 12).
إنّ التعبير اليوناني (άναδεχόμενος)، المقابل للفظة (عرّاب) يعني أيضاً (ضمانة المدين)، أو (أولئك الذين يكلفون المدينين). وقد شرح القديس يوحنا الذهبي الفم معنى هذه الكلمة للعرابين:
أترغبون في أن أوجّه كلمة إلى عرّابيكم، ليعرفوا هم أيضاً أية مكافأة يستحقون إن أظهروا عناية فائقة بكم، وأية إدانة ستلحق بهم إذا تهاونوا؟ فكّروا ملياً، أيها الأحباء، بأولئك الذي يكفلون شخصاً في مسألة مالية، كيف يكونون مسؤولين قانونياً عن كفالتهم. فإذا كان المدين خيّر الطبع، فإنه يخفّف الحمل على كفيله، أما إذا كان سيء الطبع فإنه يعرّضه للخطر. ولذا ينصحنا الحكيم قائلاً: (من يجعل نفسه ضمانة، فليفكّر وكأنّه سيدفعها) (سيراخ 13:8). وإذا كان الذين يكفلون غيرهم في ما يخص المال، يجعلون أنفسهم عرضةً لدفع قيمة الضمانة كلها، فإنّ الذين يكفلون غيرهم في ما يخص الروح وما يتعلّق بالفضيلة، يجب أن يكونوا أكثر تيقظاً. عليهم أن يُظهروا محبتهم الأبوية بتشجيع أولئك الذين يكفلونهم ونصحهم وتأديبهم، وألاّ يظنوا أنّ ما يحدث هو أمر بسيط، بل عيهم أن يعلموا أنهم مشاركون في الفصل، إذا حثوا المؤتمنين عليهم وقادوهم إلى طريق الفضيلة، وأنهم معرّضون لعقاب شديد إذا تهاون أولئك الذين يكفلونهم. ولذا درجت العادة أن يسمّى العرابون (آباء روحيين)، حتى يعلموا أيَّ تحنن عظيم يجب أن يُظهروه نحو الذين يتكفلون بتعليمهم الأمور الروحية. فإذا كان من النُبْل أن نقود إلى حماسة الفضيلة أولئك الذين لا يمتون إلينا بأية صلة، فبأيّ مقدار يجب أن نتمّم هذه الوصية نحو من يكون ابناً روحياً لنا. فاعلموا إذاً أيها العرّابون أنّ خطراً عظيماً ينتظركم إن تهاونتم (التعليم عن المعمودية، 2، 15- 16).
وقد علّق الأب Finn على هذا المقطع بقوله:
إن قبول العرّاب للمعتمد الجديد بوصفه ابناً له، كان يرمز بوضوح إلى مسؤوليته عن متابعة نمو (ابنه) في الفضيلة المسيحية، بعد المعمودية. ومن سوء الحظ أنّ الذهبي الفم لا يتكلّم بوضوح على مسؤولية العرّاب قبل المعمودية. ولكن يظهر من التعليمات أنّ العرّاب كان يشهد لخُلُق المرشح وأحواله وحياته، لدى تسجيل اسمه، وأنّ العرّابين والمرشحين للمعمودية كانوا يستمتعون إلى التعليم سوية. يضاف إلى ذلك أن العرّاب كان يقوم بدور مهم في البناء الروحي للمرشح خلال فترة موعوظيته، وربما كان له دور أيضاً في تثقيفه عقائدياً وليتورجياً (المرجع المشار إليه آنفاً، ص 57)
أما اليوم فإنّ وظيفة العرّابين تقتصر على الخدمة الليتورجية وحسب. فهم يحملون الطفل خلال الطقوس السابقة للمعمودية، ويجيبون عنه، ويقرأون دستور الإيمان، ويتسلَّمون الطفل من جرن المعمودية. وقد صار اختيار العرّابين أمراً عائلياً بحتاً، وغالباً ما يتم لأسباب لا علاقة لها بالكنيسة، ولا بإيمانها، ولا بالمسؤولية الروحية عن المعتمِد. ولذلك لا يُطلب منهم أيّ شيء ولا يطالبهم أحدٌ بأية فروض أو مسؤوليات، حتى صار اشتراط كونهم مستقيمي الإيمان مطلباً شكلياً ولا أهميّة له. ولكنني مقتنع أننا الآن في حاجة إلى تعيين العرّابين أكثر من أي وقت مضى. فإننا لا نعيش اليوم في مجتمع أرثوذكسي، ولا في حضارة أرثوذكسية. وإذا كنا ما نزال نعمِّد أولادنا بوجه عام، فإنّ مشكلة إبقائهم في الكنيسة، وتربيتهم وتنشئتهم دينياً، باتت أمراً ملحاً بالفعل. فثمة حاجة إلى أن نُعنى بالأطفال، وخصوصاً عندما (يختفون) من حياة الكنيسة بعد اعتمادهم، بسبب لامبالاة الأهل وإهمالهم. وثمة حاجة إلى تعليم المتحولين إلى الأرثوذكسية تعليماً منظَّماً. وأخيراً هناك حاجة إلى تمتين العلاقة بين المؤسسات التعليمية في الرعية (المدرسة الكنسية، تعليم الراشدين، الخ…) وبين الحياة الأسرارية والليتورجية في الرعية نفسها. وسأعرض هنا بعض الاقتراحات، وهي تحتاج طبعاً إلى مناقشة ودراسة. فإذا وُجد أنها ذات فائدة، وقابلة للتطبيق، فلترفع إلى السلطة الكنسية للموافقة عليها:
أ- يُعَيِّن الكاهنُ واحداً من العرّابين على الأقل، ويختاره من أبناء الرعية العالمين والمهتمين والمثقفين. وتحدّد الكنيسة المؤهلات المطلوبة منه للقيام بهذه المسؤولية الروحية.
ب- تناط بالعراب الذي تعيّنه الكنيسة، مهمةُ العناية بالطفل الذي أوكِل إليه. وعليه إبلاغُ الكاهن بكل المشاكل التي يمكن أن تحصل (إهمال الإتيان به للمشاركة في الأسرار، التخلّف عن تسجيله في المدرسة الكنسية، انتقال عائلته إلى مكان آخر، الخ…).
ج- يُنَظَّم كتابٌ خاص بالمعمودية، ويُضاف إلى سجلات الرعية، وتدوَّن فيه السيرة الدينية لكل معتمد. وهكذا يكون الكاهن الجديد، أو المجموعة الجديدة من المربين الكنسيين، على علم تام بها.
د- تعيّن إحدى العائلات في الرعية كعرّابة لكل متحوّل إلى الكنيسة، لتساعده على الاندماج في حياة الرعية. بالإضافة إلى برنامج منظّم لتعليم المتحوّلين الجدد.
والنقطة الأساسية في كل هذا، أنّ وظيفة العرابين هي وظيفة روحية ذات أهمية كبيرة في الكنيسة. وبالتالي فعلى الكنيسة نفسها، لا العائلة، أن تتحكم بها.
5- إنَّ (سفر الحياة) هذا كما يسمى في طقسنا الحالي، أو (السفر السماوي) كما دعاه يوحنا الذهبي الفم، أو (سفر الكنيسة) على حد تعبير ثيودوروس الموبسويستي (راجع: J.Daniélou، the Bible and the Liturgy، pp. 19-23) هو بالتحديد ما دعوت، الملاحظة السابقة (الفقرة ج)، إلى إعادة استعماله.
6- أنظر: فين (Finn) في المرجع المشار إليه سابقاً ص50-51.
7– في موضوع الاستقسامات، راجع:
_F.J.Dölger،، (Der Exorzismus im altchristlichen Taufritual)، in Studien zum Geschichete und Kultur der alterthum 3، 1-2، paderborn، 1909;
_H. Leclercq، (Exorcisme، éxorciste)، in Dictionnaire d’Archéologie chétienne et Liturgie 2. 2 (1910) 968-78;
_J. Forget، (Exorcisme، éxorciste)، in Dict. Théol. Cath. 5. 2 (1913) 1762-86;
_J. Daniélou، the Bible and the Liturgy، pp. 23-25.
8– (التعليم عن المعمودية) 2، 14. كانت في الكنيسة الأولى خدمةٌ خاصة هي خدمة طرد الشياطين، ولم تكن مرتبطةً حتماً بالكهنوت. وقد ورد في كتاب (القوانين الرسولية)، القانون التالي:
(إنّ طارد الشياطين لا يرسم. فهذه تجربة برّ إرادي، ونعمةٌ من الله معطاة في المسيح بإلهام الروح القدس. فالإعلان الإلهي يُظهر صاحب موهبة الشفاء هذه، لأنّ النعمة الموجود فيه جَليَّةٌ للجميع. أمّا إذا دعت الحاجة، فيجب أن يُرْسَم أسقفاً أو شيخاً أو شماساً) (8، 26. راجع: Ante-Nicene Fathers 7، 493).
9- أنظر (التعليم عن المعمودية)، للقديس يوحنا الذهبي الفم، وفيه:
غداً الجمعة، وفي الساعة التاسعة ستوجّه إليكم أسئلة معينة وعليكم أن تقدِّموا عهودكم (الرفض والموافقة) إلى السيد. ولا أذكر ذلك اليوم وتلك الساعة عبثاً، فإنّ درساً روحياً يمكن أخذه منها. ففي يوم الجمعة وعند الساعة التاسعة دخل اللص إلى الفردوس، والظلمة التي دامت من الساعة السادسة إلى الساعة التاسعة تبدّدت، أمّا النور المنظور بالجسد والفكر فرُفع ذبيحةً عن كل العالم. ففي تلك الساعة قال المسيح: (يا أبتاه، في يديك أستودع روحي!). ثم إن الشمس التي نراها نظرتْ إلى شمس العدل المُشِعِّ من الصليب، وحجبت أشعتها… (التعليم عن المعمودية 11، 19).
راجع أيضاً كنيسة القسطنطينية في (Codex Barberini) ترجمة الأب فين (Finn) في المرجع المشار إليه، ص 114-118:
يتم رفض الشيطان وموافقة المسيح في الجمعة العظيمة السابقة للفصح، عندما يجتمع الموعوظون كلهم في الكنيسة المقدّسة، برئاسة رئيس الأساقفة…
وعن المشاكل المتعلّقة بوقت حصول (الرفض)، راجع الأب فين (Finn) في الكتاب نفسه، ص88 وما يليها. وراجع أيضاً:
_A. Wenger، Jean Chrysostome، Huit catéchèses baptismales inédites، Sources Chrétiennes 50، paris، 1957، p. 80ff.
10- أنظر كتاب القديس كيرلس الأورشليمي: Catech. Mystogog. 1،4، وفيه:
إنّ الغرب هو منطقة الظلمة المنظورة. والشيطان، الذي نصيبه الظلمة، يسود عليها. وعندما تتجه رمزياً نحو الغرب، فإنك ترتدّ عن هذا الطاغية المظلم الغامض.
راجع أيضاً:
_J. Daniélou، the Bible and the Liturgy، p. 27ff.
11- القديس يوحنا الذهبي الفم، (التعليم عن المعمودية) 10، 14.
12- نفسه 10، 15.
13- نفسه 10، 15.
14- عن مسألة (أعمال الشيطان) (pompa diaboli) راجع:
_H. Rahner، (pompa Diaboli) in Zeitschrift für Katholische Theologie 55 (1931) 239-73;
_J. Warzink، (pompa Diaboli) in Virgiliae Christianae 1 (1947) 13 41;
_J. Daniélou، (Le démon dans la littérature écclésiastique jusau’ à Origéne)، in M. Viller، Dictionnaire de la spiritualité 3 (1957) 151-89;
_M. Boismard، (I Renounce Satan، his pomps and his Works)، in (Baptism in the New testament: A Symposium)، Baltimore، 1904، pp. 107-14.

