الفصل التاسع: الثالوث لدى آباء الكنيسة

بعد كل توضيحاتنا السابقة، يبقى أن نتعرف على تعليم آباء الكنيسة كما أوجزه يوحنا الدمشقي الذي يعتبر حجة لدى الأرثوذكس والكاثوليك (51). فقد قام في القرن الثامن “بصوصلة” بارعة جداً فرضته على الأجيال معلماً بارزاً. ستتكرر الأمور أحياناً. الثل قال: “في الإعادة إفادة”. فالمعذرة سلفاً.

Continue reading

الجزء الأول: 3- كتاب ”الكرازة الرسولية”

مقدمة:

الهدف الذي من أجله كتب القديس إيريناوس كتاب “الكرازة الرسولية”، واضحٌ بشكل صريح، إذ يذكر القديس إيرينيوس في السطور الأولى للكتاب أنه يقصد أن يزود ماركيانوس ب- ” مذكرة مُلخصة” في شكل نقاط أساسية يستطيع ماركيانوس بواسطتها “فهم كل أعضاء جسد الحقيقة”. وهكذا يكون كتاب “الكرازة الرسولية” هو اقدم ملخص للتعليم المسيحي، نجده معروضاً بطريقة غير جدليةٍ أو دفاعيةٍ بل بطريقةٍ إيجابية. ولهذا السبب فإن اكتشاف هذا الكتاب في بداية القرن العشرين ولّد حماساً وإثارة كبيرة؛ إذ أصبح بين ايدينا كتاب قام بتأليفه أسقف يعرّفنا عن نفسه بأنه قد عاشر أولئك الذين هم انفسهم قد عرفوا الرسل، كما أشرنا سابقاً. وهكذا يعرض إيريناوس في كتابه مضمون تعليم الرسل. ولقد وُصف هذا الكتاب بأنه مقالة “تعليمية وعظية”، يقدّم المسيحية في خطوط عامة كما كان يشرحها في ذلك العصر أسقف لرعيته. ولذلك، فإن قيمة مثل هذه الوثيقة تتجاوز ما يمكن أن نعرفه من تقدير وأهمية.

Continue reading

الفصل 18-23

الفصل الثامن عشر

أعمال المسيح بالجسد تظهر قوة كلمة الله وقدرته: بإخراجه الشياطين، وبالمعجزات، وبميلاده من العذراء.

1ـ عندما يتحدث الكتّاب الموحى إليهم عنه أنه يأكل ويشرب وأنه وُلِد، فإنهم يقصدون أن الجسد كجسد وُلِد واقتات بالطعام المناسب لطبيعته. أما الله الكلمة نفسه الذي كان متحداً بالجسد، فإنه يضبط كل الأشياء. وكل أعماله التي عملها وهو في الجسد تظهر أنه لم يكن إنساناً بل كان الله الكلمة(1). وأما هذه الأمور فإنها تُذكَر عنه لأن الجسد الذي أكل ووُلِد وتألم لم يكن جسد أحد آخر، بل كان جسد الرب نفسه(2). ولأنه صار إنساناً كان من المناسب أن تقال عنه هذه الأمور كإنسان حتى يتبين أنه أخذ جسداً حقيقياً لا خيالياً(3).

Continue reading

الفصل الثالث – شرح الدستور المفصّل: “الذي من أجلنا” و“ومن أجل خلاصنا”

10- “الذي من اجلنا”

        الجزء الاول خاص بلاهوت يسوع. الجزء القادم خاص بناسوته: “الذي من اجلنا نزل من السماء”.

يسوع تجسد – ابن الله نفسه هو الذي نزل من السماء وتجسَّد. فعلُ تنازله غمرنا فوضع رؤوسنا ارضاً. الذي تجسَّد هو واحد لا اثنان.

Continue reading

2: 8 – دوام اتحاد الطبيعتين، وخاتمة في الاختلاف الخريستولوجي

أ – دوام اتحاد الطبيعتين

أ- هل اعترى وحدة الطبيعتين انفصال في وقت من الأوقات؟
منذ البشارة حتى نهاية الدهور، لا انفصال أبداً بين الطبيعتين. فعلى الصليب فارقت نفس يسوع جسده، ولكن الاتحاد بين اللاهوت والناسوت لم ينفصم (1).

Continue reading

شرح الإصحاح الأول من إنجيل مرقس

أ – البدايات المسيانية 1: 1-13

سابق المسيا:

“بَدْءُ إِنْجِيلِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللهِ،” (مرقس1: 1).

يشكل المقطع (1: 1-8) مقدمة لإنجيل مرقس. يتضمن كرازة يوحنا المعمدان سابق المسيا وأعماله. بينما يبدأ متى إنجيله ينسب يسوع وولادته، ويبدأ لوقا بولادة يسوع وما سبقها من حوادث (البشارة بولادة يوحنا، ولادته، بشارة والدة الإله…)، يعتبر مرقس بداية الإنجيل كرازة يوحنا المعمدان المهيّئة لطريق المسيا. كذلك يبدأ الإنجيل الرابع بتجسد الكلمة الكائن منذ الأزل، وبشهادة يوحنا عن المسيا الرافع خطيئة العالم. لنشر هنا إلى التطابق بين الكلمة الأولى “بدء” التي يستهل بها إنجيل مرقس الأقدم زمنياً، وبين أول كلمة ترد في إنجيل يوحنا “في البدء كان الكلمة …”، وأيضاً أول سفر التكوين “في البدء خلق الله والسماوات والأرض”.

Continue reading

الباب الثالث: الفصل السادس: السبي والأنبياء

ننتقل الآن من ملكية داود إلى المرحلة الأخيرة قبل التجسد، السبي والأنبياء، وهي مرحلة مأساوية مهمة جداً، مرحلة حاسمة قبل مجيء المسيح. إنها تؤلف قسماً كبيراً من الكتاب المقدس، أكثر من نصف العهد القديم (بما فيها سفر أيوب والمزامير والأمثال.)، إنها بمثابة مفرق طرق بل هي خلق جديد لإسرائيل، وخلق مؤلم، إن إسرائيل بعد إقامته في أرض الميعاد بدأ ينسى دعوته ومواعيد الله له وأن قصد الله إنما يتعالى على ما يمكن أن يراه هو ويعتقده. فصار يبتعد وينحرف عن وضعه الماضي، كشعب كهنوتي وملوكي مخطوب لله، ويجاري الشعوب الآخرين. وفي الوقت نفسه كان الشعوب حوله يتغيرون. كان تاريخ العالم آنذاك يتغير. مجيء الله يقترب. وقبل مجيئه بثمانمائة سنة كان هذا الجزء من العالم يتكون بالنسبة للتجسد الإلهي ومن أجله. الممالك الكبرى تتوالى وتبدل جغرافية المنطقة. مصر وأشور يحل محلهما البابليون والفرس. والتجربة التي وقع فيها اليهود كانت التحالف السياسي مع هذه المملكة أو تلك، ونسيان عهد الله، كانت التحول إلى السياسة والاصطفاف مع أناس ضد أناس آخرين. ومن جراء ذلك فقد الشعب المختار وحدته الروحية والداخلية وانقسم إلى مملكتين: مملكة الشمال ومملكة الجنوب. ولذا يصبح جلياً أن على شعب الله أن يتغير تغيراً عميقاً ومؤلماً ليعود إلى حمل رسالته. في خروجه من مصر إلى أرض الميعاد كان قد اتضح أن “بقية” فقط تتمسك بالأمانة للرب، والآن، بعد انقسام إسرائيل إلى اثنين، فهذا يزداد وضوحاً. مملكة الشمال تنمو وتتوغل في الوثنية. تمتزج مع الأمم وتتبنى ديناً يختلط فيه دين يهوه مع دين آلهة الأمم: وبواسطة الملكات الغريبات يدخل البعول إلى بيوت اليهود. فلا بد بالتالي من تغيير، من محنة جديدة تعيد للشعب نقاوته الأولى، نقاوة خطبته لك في البرية: “لذلك هاأنذا أسيج طريقها بالشوك وأحوطه بحائط فلا تجد سبلها، فتقفو عشاقها فلا تدركهم وتطلبهم فلا تجد” (هوشع 2: 6- 7).

Continue reading

الفصل العاشر – شخص الروح القدس

أ – المعزّي الآخر

وَعَد ربنا يسوع المسيح تلاميذه، قُبيل آلامه المكرَّمة: “وأنا أسأل أبي، فيهب لكم معزياً آخر، يبقى معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يتلقاه، لأنه لا يراه ولا يعرفه. أمّا انتم فتعرفونه، لأنه يقيم معكم وهو فيكم” (يو 14: 16-17). “ولكن المعزّي، الروح القدس، يرسله الآب باسمي، فيعلّمكم جميع الأشياء، ويذكّركم جميع ما قلته لكم” (يو 14: 26). “ومتى جاء المعزّي الذي أرسله لكم من لدن أبي، روح الحق المنبثق من الآب، فهو يشهد لي” (يو 15: 26). “إذا مضيت أرسله (المعزّي) لكم. ومتى جاء، أخزى العالم على الخطيئة والبرّ والحكم: أمّا على الخطيئة فلأنهم لم يؤمنوا بي….. لا يزال لديّ أشياء كثيرة أقولها لكم، ولكنكم لا تطيقون الآن حملها. فمتى جاء روح الحق أرشدكم إلى الحق كله، لأنه لا يتكلّم من عنده، بل يتكلم بما يسمع وينبئكم بما يحدث، سيمجدني لأنه يأخذ ممّا لي ويطلعكم عليه” (يو 16: 7-14).

Continue reading

الفصـل التاسـع – شخص الإله-الإنسان

أ – تجسّد الكلمة

“هلموا نبتهج بالرب مذيعين السرّ الحاضر. فقد زال سياج الحائط المتوسط. والحرّية المحرقة تنقلب عائدة والشاروبين يبيح رجوع الحياة. أمّا أنا فأعود إلى التمتع بنعيم الفردوس الذي نفيت منه قبلاً بسبب المعصية. لأن صورة الآب وشخص أزليته، المستحيل أن يكون متغيراً، قد اتخذ صورة عبد، آتياً بغير استحالة من أم لم تعرف زواجاً، فلبث إلهاً حقيقياً كما كان، واتّخذ ما لم يكن، إذ صار إنساناً لمحبته البشر. فلنهتف: يا من وُلد من البتول، اللهم ارحمنا”.

Continue reading

رزق الله بن نبع القديس الشهيد

ولد هذا القديس في دمشق في بداية القرن الخامس عشر الميلادي، وكان كاتبا مباشرا في ديوان امير طرابلس (المملوكي) المدعو أزدمر. وكان رزق الله محبوبا عند الامير وكاتم سرّه، وكان الامير يثق به ويعتمد عليه. لذلك حرص على أن يحوّله عن إيمانه بالمسيح الى الإسلام. وقد انتهج في سبيل ذلك أسلوب الرفق والملاطفة. لكن محاولته باءت بالفشل بعدما أبى رزق الله أن يتنازل عن إيمانه بالرب يسوع المسيح تحت اي ظرف. فشعر الامير بالمهانة واغتاظ، وأمر بطرح رزق الله في السجن آملا أن ينال منه مبتغاه بالشدة بعدما فشل باللين.

Continue reading

القديس أثناسيوس الكبير

القديس اثناثيوس الكبير

القديس اثناثيوس الكبيرإنه البطريرك (البابا) [1] العشرون لكرسي الإسكندرية وهو معروف بـ”حامي الإيمان”و”أبّ الأرثوذكسية” وهو من الآباء المدافعين عن التسليم الحقيقي الأصيل. ولد في صعيد مصر [2] حوالي [3] سنة 296 من أبوين مسيحيَين فقيرين وكان والده كاهناً وقد علّم ابنه روح التقوى والإتضاع [4]. إلتحق بمدرسة الإسكندرية الشهيرة وتردد على البادية حيث تتلمذ على القديس أنطونيوس الكبير [5]. وفي حوالي سنة 313 كان أثناسيوس ينهي دروسه اللاهوتية بالإضافة إلى الفلسفة والبلاغة والشعر ودراسة القانون الروماني، فلفت انتباه اسقفه الكسندروس لحدة ذكائه وسعة إمكاناته فاهتم الاسقف بمتابعة دروسه وفي هذه الفترة (318) أنهى تأليف كتابين وهما: “ضد الوثنيين”، و” تجسد الكلمة” وهو لم يتجاوز الثالثة والعشرين من عمره بعدها رسمه شماساً عام 319م. ثم رئيساً للشمامسة وجعل منه أمين سرّه وبادر معه إلىترتيب أمور الكنيسة التي خرجت من مرحلة اضطهاد الإمبراطور ديوقليتيانوس، ورافق البطريرك الكسندروس الإسكندري إلى مجمع نيقية عام 325م، لمواجهة بدعة آريوس. [6]

Continue reading