القديم والجديد
قبل أنْ نختم دراستنا يجب أنْ نوجِّه انتباهنا إلى سلسلة صلوات وطقوس، لا تتصل مباشرةً بليتورجيا المعمودية نفسها، ولكنها تكشف بعض الأبعاد الجوهرية والمؤكَّدة لسر المعمودية. وهي: الصلاة على المرأة في يوم ولادتها، وصلاة تسمية الطفل في اليوم الثامن لميلاده، And finally صلاة الإدخال إلى الكنيسة، أي إدخال الأم والطفل إلى الكنيسة في اليوم الأربعين للولادة (1).
يندر أنْ تقام هذه الطقوس اليوم، كما أنَّ كثيراً من المسيحيين – وفيهم كهنة ولاهوتيون – يشكُّون في الحاجة إليها، مدّعين أنها تُعبِّر عن نظرةٍ إلى العالم عفاها الزمن، وأنّ إبقاءها في الكنيسة هو إبقاءٌ لأفكار ومعتقدات بدائية، مهيبةٍ لطبيعة الإنسان عموماً، وللمرأة خصوصاً، ولا مبرر لها. ويزعمون أنَّها تُصوِّر بعض الظواهر الطبيعية وكأنها (نجسة)، وتظهر أنّ الأمومة نفسها خطيئة يجب أن تُغفر و(تُطَهَّر)، وأنَّ المرأة عضو (ثانوي) في الكنيسة. ومن جهة أخرى ثمة (تقليديون) يعارضون هذه الآراء ويصرُّون على إلزامية هذه الطقوس ووجوب إقامتها. ولكنّ العجيب في الأمر أنهم يدافعون عنها من أجل الأسباب نفسها التي جعلتْ (المجدّدين) يرفضونها. فكلاهما معاً يتبنيان حياةَ الكنيسة الليتورجي ونظرةَ الكنيسة إلى العالم، من خلال مقولتي (الطاهر) و(النجس)، ويختزلان حياتها ونظرتها هاتين إلى سلسلة من (المحرَّمات) التي يجب معالجتها بعدد من (التطهيرات) الطقسية.
ولكنّ الموقفيّن كليهما على خطأ، لأنهما نابعان من فهم مغلوط للاستمرارية بين مؤسسات الكنيسة ومؤسسات العهد القديم التي هي في الواقع مصدر التقليد الليتورجي المسيحي وشكله الأساسي. ولكي تُدْرَكَ هذه الاستمرارية إدراكاً صحيحاً، يجب أنْ يُنْظَر إليها وأنْ تُفهم دائماً على ضوء انقطاعٍ جذريٍّ وأساسيّ موازٍ لها. وهذا يعني أنه إذا كانت الكنيسة في استمرارية مع (مؤسسات) العهد القديم، فإنّ هذه المؤسسات حين تصير مسيحية تكتسب معنى جديداً تماماً، وتتجدّد فعلاً. ولكن لماذا نقول بهذه الاستمرارية؟ لأنّ المسيح لم يأتِ لينقض الشريعة بل ليحقّقها (متى 17:5). وبالتالي فإنّ الرجوع الدائم والحيَّ إلى (القديم) هو وحده الذي يمكّننا من فهم (الجديد) وجعلِهِ خاصّتنا، ويجعل في وسعنا قبولَ المسيح بوصفه تحقيقاً للقديم. ولكنّ المسيح نفسه، أي مجيئه، هو الذي يجعل الأشياء كلها جديدةً. إنها لا تصير أشياء جديدة (غير الأولى)، ولكنها هي نفسها تتجدّد، وتظهر في معناها النهائي، وتصير علامات للملكوت الآتي. وعلى هذا النحو تُحقِّقُ (الاستمراريةُ) نفسَها بوصفها انقطاعاً، كما أنَّ (الانقطاع) يتضمّن ويفترض الاستمرارية، لكي يسعه أنْ يكون تحقيقاً و(تجديداً).
إذا طبّقنا هذا الكلام على طقوس (التطهير)، فإنه يعني قبل كل شيء أنَّ مقولتي (الطاهر) و(النجس)، وهما مقولتان أساسيتان قبل المسيح، تغيّرتا جذرياً بمجيء المسيح، ولكنهما لم تُلغيا. (كل شيء طاهر للأطهار، وأما الأنجاس والكفار فما لهم من شيءٍ طاهر) (تيطس 15:1). لولا وجود التمييز بين (الطاهر) و(النجس) – وهو تمييز يخص الإنسان (القديم) وديانته (القديمة) – لما وُجدتْ فكرةُ (الطهارة) ومفهومُها، وبالتالي لما كُشفَتْ الطهارةُ للإنسان في معناها الأخير. ولكن حين يُكْشَفُ هذا المعنى الأخير في المسيح، يَظْهَرُ أنَّ التمييز القديم ليس تمييزاً (كيانياً) بل (تربوي)، وأنه وسيلةٌ لهادية الإنسان إلى سر الفداء. الأشياء كلُّها طاهرة، لأنها كلَّها تأتي من الله، وكلُّها (حسنةٌ جداً) لأنها جزءٌ من الخليقة الإلهية (الحسنة جداً). ولكنّ الأشياء كلَّها نجسةٌ أيضاً، لأنّ الإنسان (حَرَفَها) عما خلقها الله من أجله. إلاّ أنّ الأشياء كلها افتُديَتْ عندما افتُدى الإنسان في المسيح، وكلها تكون مجدداً (طاهرة للطاهرين)، لأنها – في النهاية – خُلقتْ لكي تكون وسيلةً لحياة الإنسان مع الله ولدخوله إلى ملكوت الله.
هذا المدخل المسيحي الأساسي إلى فهم العالم، والذي يتجاوز تعابير (الطاهر) و(النجس) إلى تعابير (القديم والجديد)، هو ما يجري تجاهله وخيانته كلما اختُزِلَتْ حياة الكنيسة إلى استمراريةٍ محضة أو إلى انقطاعٍ بحت. والطريقة الفضلى للتغلّب على هذا الاختزال، هي أنْ نفهم ما تفعله الكنيسة، وأن نُصغي إليها ببساطة، وأن نتلقى منها المعنى الحقيقي لطقوسها، لا أنْ نمليَ عليها فرضياتِنا المسبقة وعواملَ كبتنا.
صلوات اليوم الأول
يتألف الطقس الأول من ثلاث صلوات يقرأُها الكاهن في اليوم الأوّل لولادة الطفل وفي المكان الذي ولد فيه. وهذه الصلوات تخص الأم في المقام الأول، وفيها يكتشف بعض الناس (إهانةً) للنساء، ومن خلالها يبررون اختزالهم حياةَ الكنيسة إلى مبدأ (الطاهر والنجس). ولكن دعْنا نستمع إلى الصلوات نفسها.
في أولى هذه الصلوات وأقصرها تطلب الكنيسة من الله (الشافي كلَّ مرض وكلَّ استرخاء)، أنْ يشفيَ أيضاً أمَتَهُ هذه (التي قد ولدتْ في هذا اليوم، وينهضها من سريرها المطروحةِ عليه). وتضيف الصلاة: (لأنه حسب ما قال داود النبي بالآثام حُبل بنا، ونحن كلنا مدنّسون أمامك…)
وتبدأ الصلاة الثانية بإشارة إلى ميلاد المسيح: (يا من ولدتَ من الكلية الطهارة سيدتنا والدة الإله الدائمة البتولية مريم، واتكأتَ في مزود كطفل وظهرتَ مرضَعاً). وتتابع:
ارحم أمَتَك هذه التي ولدتْ هذا الطفل الحاضر في هذا اليوم، وتجاوزْ عن زلاّتها الطوعية والكرهية. وصُنها من كل تضييقات الشيطان. واحفظ الطفل المولود منها واحرسه من كلِّ سم قاتل، ومن كل نازلة، ومن كل مكايد المضادّ، ومن الأرواح الشريرة النهارية والليلة. وأما هذه فاحفظها بيدك العزيزة، وأنعمْ عليها بالقيام سريعاً، ونقِّها من الدنس، واشفِ أوجاعها، وامنحْها القوة والصحة نفساً وجسداً، وحُطْها بملائكة بهجين منيرين، واحرسْها من مفاجأة الأرواح غير المنظورة. نعم يا رب، اشْفِها من المرض والاسترخاء، واحفظها من الغيرة والحسد ومن كل عين حاسدة، وارحمها مع طفلها… وطهّرها من الدنس الجسدي، ومن كل ما يدهمها من الأوجاع الأحشائية المتنوعة، وأنهضْها برحمتك السريعة لتقويم جسدها الضعيف. وأهِّل الطفل المولودَ منها للسجود في هيكلك الأرضي الذي هيّأتَه لتمجيد اسمك القدوس…
ونجد أخيراً في الصلاة الثالثة، إلى جانب مواضيع الشفاء والغفران نفسها، إشارةً إلى الولادة بوصفها تحقيقاً لوصية الله إلى الإنسان في البدء:
لأنك أنت قلتَ، يا رب، انموا واكثروا واملأوا الأرض، فلذلك نحن عبيدك نطلب إليك… ونهتف بخوف إلى اسم ملكوتك القدوس قائلين: اطّلعْ من السماء وانظرْ إلى ضعفنا نحن المحكوم علينا. واغفرْ لأمَتِك هذه ولجميع المنزل الذي فيه الطفل، وللذين دنوا منها ولجميع الموجودين ههنا…
الموضوع الأساسي للصلوات الثلاث، إنْ لم نقل موضوعها الوحيد، هو Forgiveness. (لأنه بالآثام حُبل بنا…). ويبدو أنَّ نسبة الحَبَل، وبالتالي الجنس، إلى الخطيئة والنجاسة – كما يظهر من هذه الصلوات – هي بالذات (عثرة) الإنسان (المعاصر)، ولو كان مسيحياً. ولكنها ليست عثرةً إلاّ بالنسبة إلى أولئك الذين نسوا، أو تخلُّوا عن النظرة المسيحية إلى العالم، وعن المفهوم المسيحي للجنس. فعصرنا الحالي، الذي يُعلن تخلِّيه الجذري عن المسيحية، متأثرٌ بمحاولات تهدف إلى تحرير الجنس، وجعلِه – قبل كل شيء – حراً من كل مدلولات الخطيئة، ومن أي شعور بالذنب أو العار. والمعادلة الأساسية التي يتضمّنها (التحرير الجنسي) هي التالية: الجنس أمر (طبيعي) ولذلك فهو (حسن)، وإذا كان (حسناً) فيجب أن يكون (بريئاً). ولكنّ الكنيسة ترفض هذه المعادلة، مثلما ترفض كل مطابقة مانوية (Manichean) أو ثنائية (dualistic) بين الجنس والشر. فالنظرة المسيحية إلى العالم ترى أنّ طبيعة الإنسان التي كانت أساساً و(كيانياً) طبيعةً (حسنة)، صارت الآن (ساقطة). وسقوطها ليس جزئياً، بحيث تبقى بعض ملكات الإنسان سليمةً وبريئةً، بل هو سقوط كامل. وفرادة (الجنس) ناجمة عن كونه متصلاً اتصالاً عضوياً بأسمى المواهب الإلهية المعطاة للإنسان، ألا وهي موهبة المحبة، وبالتالي عن كونه النقطة التي تتمحور حولها الازدواجية (ambiguity) المأساوية الخاصة بطبيعة الإنسان الساقطة. فالجنس ليس مجرد تعبير عن المحبة، بل هو نفسه محبة. ولكنه من جهة ثانية (موضع) استسلام الإنسان لغرائزه الحيوانية، وانسحاق طبيعته وحياته، وخسارته كماله. إنّ (قطبي) الجنس و(الدافعين) إليه – المحبة والشهوة – متمازجان بشكل معقد، حتى أنّه من المستحيل فصل واحدهما عن الآخر أو عزله عنه. ومن هنا السمة المتناقضة في مدخل الكنيسة إلى الجنس، واستحالة اختزال هذا التناقض وتبسيطه إلى حل (أبيض وأسود).
إنه لمن الخطأ فعلاً أن نظنَّ أنَّ الكنيسة حينما تشجب وتدين الجنس خارج الزواج بوصفه (شراً)، تكون قد أكَّدت أنه (حسن) داخل الزواج. فالمسألة كلها أنَّ الجنس من حيث أنّه شهوةٌ – سواءٌ أكان (خارج) الزواج أم (داخله) – ينتمي إلى (هذا العالم)، أي إلى العالم الذي (يزول شكله)، والذي لا يسمح له (شكله) الحاضر هذا بأن يرث ملكوت الله. فالجنس يقع تحت الناموس لا تحت النعمة، لأنه محور (شهوة الجسد، وشهوة العين، وكبرياء الغنى) التي تشكّل وتحدّد حياة (هذا العالم). ولكنّ كونه تحت الناموس لا يعني أنّه مدان، بل يعني أنه يُنظَّم على ضوء رؤيةٍ شاملة للحياة ومن خلال علاقة معها، وأنَّه يُخضَعُ إلى تلك الرؤية ويُحتَوَى داخلَ حدودها، أي داخلَ ذلك النظام الذي يستطيعُ وحدَه أن يحمي (هذا العالم) من قوى تدمير الذات المظلمة واللاعقلية. وإذا كان الجنس (يُمْنَع) خارج الزواج و(يُسمح) به داخله، فلأنّ الزواج – رغم فساده في العالم الساقط – ينتمي إلى تلك الرؤية السامية، وهو قادرٌ على (دخول) ملكوت الله. أما مجرّد إرضاء الإنسان لدوافعه وحوافزه، مهما بدا طبيعياً و(محقّقاً للذات)، فإنه لا ينتمي إلى تلك الرؤية، بل أكثر من ذلك، إنّه يقودها في النهاية إلى دمارها، وهكذا يبدو (مخالفاً للطبيعة). ليس في وسع الناموس أن يُغَيِّر أو يفتدي، ولكنه حين يضع حدوداً ويحافظ على نظام محدَّد، إنّما يسعى إلى أن يتجاوز ذاتَه والطبيعةَ الساقطة، لكي يقدِّم للإنسان رؤيةً سامية للحياة، ويجعلَه راغباً فيها. ولهذا السبب بالذات ترفض الكنيسة كلّ تلك الأفكار والنزعات المطالبة (بالتحرّر الجنسي) بوصفها أفكاراً ونزعاتٍ (شيطانيةً). وإذا كان الجنس – من حيث مفهومه والقيمة المعطاة له – قد كان بالنسبة إلى الكنيسة (المحكَّ) لكل خُلُقية بشرية، فهذا لا يعود إلى هواجسَ جسدية سوداوية نابعةٍ من الشعور بالذنب، كما يعتقد الكثيرون اليوم. فالواقع أنَّ مثل هذه السويداء ومثل هذه الهواجس صارت، شيئاً فشيئاً، علامةَ (الجنس المحرّر)، وسمةَ كل المحاولات الرامية إلى جعل الجنس، والجنس فقط، المضمونَ الوحيد للحياة والمحبة البشريتين. أما الكنيسة فترفض هذا لأنها تعرف طبيعةَ الإنسان الحقيقية، ودعوتَه الحقيقية، وتعرف أيضاً أنّ (تحريراً) كهذا سيستعبد الإنسان كلياً، ويقودُه في النهاية إلى تدمير نفسه كإنسان.
تعتقد الكنيسة أنّ كل ما يستطيع الإنسان (العائشُ في العالم واللابسُ البَشَرة) أن يفعله، أو بالأحرى ما يجب أن يفعله، هو قبولُه – في طاعة وتواضع – الناموسَ الذي أعلنه الله، لأنّ هذا الناموس هو الذي (يحرِّره) – إلى حد ما على الأقل – من طغيان الجنس عليه طغياناً مظلماً ولا عقلياً، وهو الذي يجعل الجنس خادماً للمحبة لا سيِّدَها أو مضمونها الوحيد، على الرغم مما قد يبدو من ازدواجية في هذه الخدمة. الناموس لا (يقدِّس) الجنس ولا (يلعنه)، ولكنه يكشف أمام الإنسان حقيقة الجنس وازدواجيته المأساوية التي لا مفرَّ منها، وبذلك يساعده على أن يحفظ، في نفسه، رؤية طبيعته الحقيقية، وأنْ يكافح من أجل (كمالها)، وبكلمات أخرى أن يسعى وراء النعمة.
هذا هو الإطار الذي من خلاله يجب أن (نسمع) ونفهم تصرُّف الكنيسة إزاء دخول مولود بشريٍّ جديد إلى العالم. فما تكشفه صلوات اليوم الأول الثلاث هو الفرح بذلك الحدث، أي بدخول طفلٍ آخر لله إلى (نور الله العجيب)، وفي الوقت نفسه، الحزن على فساد العالم بالخطيئة. فسموُّ العطية هو الذي يجعلنا نقيِّم وندرك عمق سقوط إنسان. وإذا كانت هذه الصلوات، قبل كل شيء، صرخة من أجل Forgiveness، فلأنّ المغفرة الإلهية – المعطاة والمتحقّقة في المسيح – هي وحدها التي يمكنها أن تطهّر ذلك الفرح، وتُعيده إلى ملئه، وتجعل بداية حياة الطفل بداية الخلاص والفداء أيضاً. تَعْتَلن الحياة البشرية، مرة أخرى، في مجدها وجمالها الإلهيين الحقيقيين، ولكنها مَشُوبَةٌ بارتهانها إلى نواميس (هذا العالم) الساقطة، وهو ارتهان لا مفرَّ منه. الحَبَل ليس خطيئة، بل هو بالفعل تحقّقُ أروع المواهب الإلهية: القدرة على إعطاء الحياة. ولكن (بالإثم) يُحبل بنا، لأنّ الشهوة صارت عنصراً لا مفرَّ منه في الحَبَل. الولادة فرح، ولكنها أيضاً (مرض واسترخاء)، عذاب وألم. تبدأ الحياة وهي قابلةٌ للنور والفرح، وحتى للأبدية نفسها، ولكنها ضعيفة، ومعرَّضة لكافة أنواع الأخطار، ومُهدَّدة بالشر تهديداً جذرياً.
هذا ما تتأمله الكنيسة وتعلنه وهي واقفة، في شخص الكاهن، أمام هذه the mom وهذا الطفل، لكي تعطيهما بركتها الأولى، وتجعل هذا (اليوم الأول) على علاقة بسرِّ الخلاص. كيف يمكن للكنيسة أن تساعد الأم التي قَدَرُها في (هذا العالم) أن تختبر الولادة بوصفها (استرخاءً ومرضاً)، وعبوديةً للطبيعة الساقطة، إلاّ بطلب الغفران، أي الشفاءِ الحقيقي الوحيد، والعودةِ الحقيقية الوحيدة إلى الكمال الذي حطّمته الخطيئة؟ فالواقع أنّ الكنيسة لا تطلب الغفران من أجل الخطايا (الطوعية والكرهية)، أي من أجل الخطيئة بوصفها حقيقة (هذا العالم)، ومن أجل النجاسة والدنس الكامنين فيها. ماذا يمكن أن تقدّم الكنيسة إلى هذه الأم سوى Forgiveness، أي العبور إلى الحياة التي افتداها المسيح، وإلى الفرح والكمال اللذين يحميهما (ملائكةٌ بهجون نيّرون)؟ وأي عطيَّة يمكن أن تقدِّمها الكنيسة لها سوى أن تعلن أمامها أنَّها تحوّل هذه الولادة، وكلَّ ولادة، والأمومةَ نفسها إلى مشاركةٍ في فرح أمومة مريم الفريدة وكمالِها، تلك الأمومة التي بواسطتها أتَى الخلاص والفرح إلى العالم كله؟ وبأيةِ تحية يمكن أن تحيّي الكنيسة هذا الطفل سوى أن تَعِدَه بإدخاله إلى مجد اسم الله القدوس، أي معرفة الله وشركته، وهما الحياة الأبدية نفسها؟
لا يكفي أنْ يكون الإنسان على خطأ، بل لا بدَّ أن يكون صغيرَ النفس وضيّق الأفق، لكي يجد (إهانةً) في هذه الصلوات الممتلئة بالمحبة الإلهية والاهتمام بالإنسان واحترامه، وهو الاحترام الأصيل الوحيد، لأنه إلهيّ بالفعل. من واجبنا ألاّ ننقاد إلى (هذا العالم) في ثوراته الرخيصة التي يعلنها باسم (حقوق) فارغة، و(كرامةٍ) لا معنى لها، و(سعادةٍ) بلا جدوى، بل علينا أن نستعيد رؤية الكنيسة للحياة، ونجعلَها رؤيتنا نحن: الرؤية التي تعلنها الكنيسة في (اليوم الأول) من كل حياة بشرية جديدة.
تسمية الطفل (2)
َظهر لنا البعد التالي لتلك الرؤية في صلوات تسمية الطفل في اليوم الثامن لولادته. وإذا كانت صلوات اليوم الأول تخصُّ الأم أصلاً، فإنّ الكنيسة تركّز اهتمامها الآن على الطفل.
ولا بدّ أن ننتبه أولاً إلى أنَّ صلواتِ اليوم الثامن ذاتُ شكل ليتورجي، خلافاً للطقس السابق. فهي تبدأ بالمجدلة المعتادة، فالتضرّع إلى الروح القدس، فالتريصاجيون، فالصلاة الربانية، وتختم بختم ليتورجي، مما يشير إلى أننا في طريقنا إلى الكنيسة الآن. لم تكن الصلوات السابقة سوى تحية أوَّلية، أو (لقاءٍ) أوَّل، أما الآن فإنّ الحياة التي بدأت منذ قليل تُجْعَل زياحاً إلى (الهيكل الأرضي) حيث سيتحقّق الخلاص.
بعد البداية يقول الكاهن:
أيها الرب إلهنا، إليك نطلب وإيّاك نسأل، أن ترسم نور وجهك على عبدك هذا، وليرتسم صليب ابنك الوحيد في قلبه وأفكاره لكي ينجوَ من أباطيل العالم ومن كل مؤامرات العدو الرديئة، فيتبع أوامرك. وامنحه يا رب، أن يكون اسمك القدوس ثابتاً عليه فلا يجحده. ضُمَّه في الوقت الموافق إلى كنيستك المقدّسة، وكَمِّله بأسرار مسيحك الرهيبة، لكي يسلك بحسب وصاياك ويحفظ الختم غير منفكّ، فيحظى بغبطة المختارين في ملكوتك…
يذكِّرنا الختمُ بالصليب والكلماتُ التاليةُ له بـ(الصلوات عند استقبال الموعوظين)، وهي التي تكلّمنا عليها في بدء دراستنا. والواقع أنّه الطقس نفسه، ولكنّه نُقِل من مكانه ليوافق معمودية الأطفال. إنّه طقس الكنيسة وهي تمتلك الطفل باسم المسيح، وترسِمُه بعلامة الصليب، علامة نصر المسيح وسيادته، وتبدأ بتهيئته للمعمودية.
ولكن ثمة عنصرٌ جديد هنا، هو تسمية الطفل. ففي طقس اليوم الأول لم يُلْفَظ أيّ اسم. ولكنّ الطفل الآن يدعى باسمه، وينسب هذا الاسم إلى اسم الله القدوس: (… وامنحه يا رب أن يكون اسمك القدوس ثابتاً عليه فلا يجحده). إنّ اسم الإنسان، الذي يميّزه عن سواه من البشر، يعطيه هويته بوصفه شخصاً، ويؤكِّد فرادته. وابنُ الله المتجسد صاحبُ اسم بشري لأنه شخصٌ، وليس (إنساناً بوجه عام). فهو لا يحمل طبيعة بشرية مجرَّدة ولا يحملها بشكل مجردٍ وغير شخصي، لأنّ الطبيعة البشرية لا توجد خارج الأشخاص، بل إنَّ كلاً منهم هو نمط شخصي فريد لتجسُّد تلك الطبيعة وتحقُّقها. وبالتالي فطقس التسمية هو اعتراف من الكنيسة بفرادة هذا الطفل بالذات، والعطية الإلهية (الشخصية) له. وعندما تنسب الكنيسة اسم الطفل إلى اسم الله القدوس، تُظهر أنَّ كل اسم هو قدوس، أس مقدّسٌ بالاسم البشري الذي للمسيح نفسه. ففي المسيح يتبيَّن أنَّ اسم كل إنسان هو اسم طفلٍ لله، مخلوقٍ بهدف إقامة علاقة شخصية مع الله، ومن أجل مشاركة شخصية في ملكوته الأبدي، لا من أجل الانحلال في (نيرفانا) لا شخصية. اسمي هو (الأنا) التي يخلقها الله عندما يخاطبها على أنَّها (أنت)، معلناً أنها شخصٌ، واسمٌ قدوس، و(ذاتٌ) لمحبة وشركة أبديتين. إنّ المسيح نفسه، بالنسبة إلى الكنيسة وإلى جميع قديسيها وإلى كامل خبرتها، موجودٌ في اسمه Jesus. وهذا الاسم القدوس هو، بالنسبة إلينا، حضور وشركة وفرح وقوة، لأنّ الاسم هو سرّ الشخص، أي ظهورُ جوهره وعطيتُه.
اسم المسيح هو الذي يقدِّس اسمي، ويجعلُه قدوساً، ويُصيِّره تعبيراً وسراً لشخصي I الموجودِ في المسيح إلى الأبد. وخدمةُ اليوم الثامن التي تعطيني اسمي في المسيح وفي اسمه القدوس، تعطيني بالتالي تلك (الشخصية) التي خلقها الله. والتي ستستعاد وتُخَلَّص في المعمودية لكي تدخل ملكوت الله.
في الماضي كان يُشار إلى اسم كلِّ مسيحي بوصفه اسماً قدوساً، ويُعَلَّم صاحبُه احترامَه منذ طفولته. ومن هذا الشعور المسبق بقدسية الاسم تطوَّر تقليدُ إعطاء الطفل اسم أحد القديسين، أي اسماً (تحقَّقت) قداسته بواسطة إنسان مسيحي. ولم يكن هذا الأمر مجرَّد سعيٍ إلى حماية (شفيع) سماوي، بل كان ثمرةَ خبرة حية للكنيسة بوصفها (شركة قديسين)، ونتيجةَ يقينٍ بأنّ Holiness هي المصيرُ الحقيقي الوحيد، والدعوةُ الحقيقية الوحيدة للإنسان. وعلى ضوء هذا التقليد، كم يبدو محزناً وحتى شيطانياً، نزعُ صفة القداسة عن اسم الإنسان في الوقت الحاضر، واختزالُه إلى أنواع من الألقاب المحبّبة المبتذلة، وتزايدُ اللامبالاة بالمفهوم المسيحي للكلمة بشكل عام، وللاسم بشكل خاص! وكم يكون رائعاً لو أننا نحن المسيحيون الأرثوذكسيون العائشين في الغرب، بَدَلَ أن ننقاد بكل بساطة إلى الحطِّ من شأن الاسم الإنساني – وبالتالي من شخص صاحبه – نبدأُ باستعادة الاسم بوصفه اسماً قدوساً، بأن نعود إلى استعمال الأسماء المقدّسة بقداسة القديسين، وأن نستعملها بنفس المحبة والتكريم اللذين بهما نتضرّع إلى اسم يسوع الفريد والقدوس.
تتم تسمية الطفل في اليوم الثامن لولادته. وقد علمنا أنّ اليوم الثامن هو رمزُ ملكوت الله، رمزُ الحقيقة السماوية التي تتجاوز (هذا العالم)، ونشترك فيها بالمعمودية وسر المسحة. وهذا يعني أنَّ خدمة التسمية تقود إلى هذين السرين، فأُفُقُها ليس الحياةَ القديمة بل الحياةُ الجديدةُ الأبدية. وعندما تحيّي الكنيسةُ طفلاً مخلوقاً للأبدية، فإنها تنظر إلى ما هو أبعدُ من (هذا العالم).
إنّ تاريخ الخلاص بكامله يتحقّق ثانية كلَّما عُهِدَ بطفل جديد إلى المسيح وملكوته، لذلك يُخْتَم طقس التسمية بطروبارية عيدِ تقدمة المسيح نفسه إلى الهيكل. إننا نقدّم هذا الطفل إلى الله بنفس الطريقة التي بها، في لحظة وحيدة من الزمن، قُدِّم طفل وحيد إلى الله. لقد صار طفلاً ليصير جميع الأطفال أطفالاً لله، ويَدْخُلوا إلى الفرح الذي لا يوصف، فرحِ حياة الله وملكوت الله، ولكي يَظْهَرَ كلُّ طفل بوصفه موضعاً فريداً لمحبة فريدة. إننا نعهد إلى الله بمن تعهَّده المسيح منذ الأزل. وفي هذا التعهُّد وحده يمكن أن تجدَ كلُّ حياة بشرية فريدة تحقُّقَها.
الإدخال إلى الكنيسة
ظهر في الكنيسة بعض الغموض الخاص بطقوس اليوم الأربعين، وهو غموض تجب إزالته إذا أُريد لهذه الطقوس أن تقوم بدورها الصحيح والضروري في حياة الكنيسة. ونأمل أن نستطيع تبيان هذا الدور.
من الواضح أنَّ أساس هذا الغموض هو سوءُ فهم مبدأ الإدخال إلى الكنيسة نفسه. فإذا تساءلنا: من الذي يجري إدخاله إلى الكنيسة؟ نجد أنّ أمامنا طقسَ عودة الأم بعد تعافيها من (مرض واسترخاء)، الولادة، إلى المشاركة الكاملة في الحياة الأسرارية للكنيسة، وهو ما يمكن تسميته طقس إدخال الأم إلى الكنيسة. ولكنّ هذا الطقس يتضمّن صلوات من أجل الطفل الحاضر معها، وهو كما تشير الصلوات لم يعتمد بعد، ويمكن بالتالي أن يُقال إنَّ الإتيان بالطفل غير المعتمد he الإدخال إلى الكنيسة:
في اليوم الأربعين يؤتى بالطفل إلى الكنيسة لكي يدخل إليها، أي لكي يبدأ انضمامه إلى الكنيسة. وتأتي به الأم…
ولكننا نجد في نهاية الطقس إدخالاً آخر، تجب إقامته – حسب التعليمات الطقسية الواضحة – إذا كان الطفل قد اعتمد.
السؤال الذي يجب أن نحاول الإجابة عنه هو التالي: ماذا حصل؟ ولماذا هذا الغموض الغريب، بل التناقض الواضح، حتى في التعليمات الطقسية؟
وتأتي الأم بالطفل بعد تطهيرها واغتسالها، وتقف هناك في المدخل، راغبة في تَقَبُّل الطقس، بعد المعمودية…
أيُّ طقس؟ ولماذا (بعد المعمودية)، إذا كانت كل كلمة فيه، كما رأينا، تدل ضمنياً على حصوله قبل المعمودية؟
قد يبدو أنّ السؤال صعب، ولكنّ الإجابة بسيطة. وما حصل هو أنّ طقسين، كانا في الأصل متمايزين ومستقلين كلياً، قد دُمجا معاً. وقد حصل هذا الأمر، مرة أخرى، بتأثير لاهوت أسراري ناقصٍ أفضى إلى سوء فهم الليتورجيا. وهذين الطقسين هما: إدخال الأم والطفل إلى الكنيسة قبل المعمودية، والإتيان بالطفل إلى الكنيسة بعد المعمودية. والواقع أنّ الطقس الأول هو الذي يجب أن يسمى إدخالاً إلى الكنيسة، ولكنّ الطقس الثاني هو الذي (احتكر) هذه التسمية، بشكل مغلوط ولأسباب غير صحيحة، مما أدَّى إلى الغموض المشار إليه.
نعلم أنّ ليتورجيا المعمودية كانت في البداية موجهةً في الدرجة الأولى إلى موعوظين راشدين، لذلك لم تتضمّن أيَّ طقس خاصّ بـ(الإدخال إلى الكنيسة). وحتى اليوم، فإنّ المعتمد الراشد لا (يُدْخَل إلى الكنيسة)، وسبب ذلك واضح. فالمعمودية نفسها هي إدخال إلى الكنيسة في المعنى الأعمق والأكمل لهذا التعبير، لأنها تعني الدخول إلى الكنيسة والانضمام إليها بوصفها جسدَ المسيح وهيكلَ الروح القدس، وشركةً في الحياة الجديدة. وبالتالي فإنّ الإتيان بالطفل إلى الكنيسة بعد المعمودية – وإلى المذبح إذا كان صبياً – ليس إدخالاً إلى الكنيسة، ويجب ألاّ نسميه بهذا الاسم كما نفعل اليوم. سنتكلّم على معناه لاحقاً، ولكننا نريد أن نشدّد هنا على أنَّ طقساً منفصلاً للإدخال إلى الكنيسة ظهر وتطوّر ضمن معمودية الأطفال وحدها، وبوصفه طقساً يُقام قبل المعمودية. وهو قبل كل شيء تعبيرٌ ليتورجي عن واقع قائم. فالأم مضطرة إلى أن تأتي بالطفل إلى الكنيسة حتى قبل اعتماده، وهي حال سائر الأمهات أيضاً. وهذا الواقع هو الذي (أجازته) الكنيسة في طقس الإدخال. ومعناه الأساسي لا يختص بالمعمودية وحدها، بل بمفهوم الكنيسة للعائلة المسيحية.
الميزة الأساسية لهذا الطقس، هي أنّ الأم والطفل متحدان كلياً، ويشكلان – إذا جاز التعبير – حقيقةً بشرية واحدة، وبالتالي موضوعاً واحداً للتبريك والتقديس والصلاة:
ويحني الكاهن رأسه أمام الأم، وهي واقفة مع الطفل، ويرسم علامة الصليب على الطفل، ثم يلمس رأسه وهو يقول الإفشين…
هذا (الاتحاد) الطقسي أمين للحياة نفسها، لأنه تعبير عن أمر حقيقي. فميزة الطفولة هي اتكالها التام، وحتى الجسدي، على الأم. كما أنّ ميزة الأمومة، في طورها الأول على الأقل، هي أيضاً اتكالها التام على الطفل. فكل منهما في حاجة إلى الآخر، وحياة كل منهما (تتكيّف) مع حياة الآخر. بل أكثر من ذلك، إنَّ لهما نفس الحياة: حياةُ الواحد هي حياةُ الآخر. ويجب ألاّ ننسى أنَّ (حاضنة الأطفال) والإرضاع من الزجاجة، ابتكاران حديثان نسبياً. أما في الماضي فكان ضرورياً، وبالتالي طبيعياً، أن تحمل الأم طفلها أينما ذهبت، وأن يكونا واحداً. ففي بدء الحياة البشرية، وفي طور تكوُّنها، يبدو وكأنّ الأم كانت تعبّر عن شخص الطفل، وأنّ الطفل كان هو حقاً حياةَ الأم بوصفها شخصاً.
إنّ لاهوتنا المعاصر الذي توقّف، في نواح عديدة، عن أن يكون لاهوتاً شخصياً، أي مرتِكزاً على الخبرة المسيحية لـ(الشخص)، صار على الرغم من هذا، وربما بسببه، لاهوتاً فردياً بالكلية. إنه ينظر إلى كل شيء في الكنيسة – الأسرار والطقوس وحتى الكنيسة نفسها – بوصفها (وسائل نعمة) فردية، هدفها الفردُ وتقديسُه الفردي. وهكذا فَقَدَ المقولات التي تعبِّر عن الكنيسة وحياتها، بوصفها تلك الحقيقة الجديدة التي تتغلّب على كل فردية وتتجاوزها، وتحوِّل الأفرادَ إلى (أشخاص). ففي هذه الحياة الجديدة يكون البشر أشخاصاً لأنهم يتّحدون بالله، ومن خلاله يتّحدون ببعضهم بعضاً وبكامل الحياة.
لقد تأثرت ممارستنا الحالية بهذا اللاهوت الناقص والأحادي الجانب و(الفردي)، حتى إنَّ الأم غالباً ما (تتقبَّل) طقس اليوم الأربعين وحدَها، وكأنه خاصُّ لها، لا بوحدتها مع الطفل، وبأمومتها التي بها تحقِّق نفسَها وتكونُ حياةَ شخص آخر، أو كأنّ (التطهير) الحقيقيَّ الوحيد للأم لا يكمن أساساً في إتيانها بالطفل إلى الكنيسة، ومن ثم إلى الله.
ما يعلنه طقس اليوم الأربعين هو إدخال الأم والطفل together إلى الكنيسة. إنّه يسمح بأن يُدخَل الطفل غيرُ المعتمد إلى الكنيسة، ويجعل هذا الإدخال (بدءَ انضمامه إلى الكنيسة)، كاشفاً مفهوم الكنيسة للعائلة المسيحية، وبالأحرى لدورها الفريد داخل الكنيسة. فليس في وسع أيّ طفل أن (يُدْخَل إلى الكنيسة)، ولكنّ الطفل المولود في عائلة مسيحية ومن والدين مسيحيين يمكنه ذلك، لأنه مولود في عائلة تخص الكنيسة، وتعيشُ في وحدة عضوية داخل عائلة الله. جوهرُ الكنيسة أن تحقِّق ذاتَها بوصفها عائلةً. والإنسانية نفسُها خٌلِقَتْ في البدء عائلة، وكان القصد أن تتحقَّق وحدتها الطبيعية كوحدةٍ مع الله، وأن يشترك الجميع في العطية الإلهية نفسِها، عطية الحياة والمحبة. والكتاب المقدّس يقدِّم لنا ولى ثمار الخطيئة في قتل الأخ لأخيه، أي في (انهيار) العائلة وبدءِ الحياة (اللاأخوية). ولذا كان افتداء الإنسان يعني افتداءَه بوصفه عضواً في عائلة، أي استعادةَ الحياة نفسها كعائلة: (… أنتم جميعاً إخوة) (متى8:23).
هذه العائلة الجديدة هي الكنيسة. والكنيسة التي هي عائلة الله، تجدِّد العائلة (الطبيعية) المشارِكَة، مثل كل شيء آخر، في سقوط (هذا العالم). ولكنّ تحقُّقَ الكنيسة بوصفها عائلةَ الله وّقْفٌ على عائلةِ الإنسان المفتداة. الكنيسة تفتدي العائلة (لطبيعية)، بتحطيم أنانيّتها النابعة من الخطيئة، وتقويضِ انغلاقها وتمركزها على ذاتها، فتبدأ العائلة بخدمة الله، وهو ما يُعَبِّر عنه في سرّ الزواج، وفي تقديم الطفل، ثمرة الزواج الطبيعي، إلى الله. ولكنّ تحقّ الكنيسة وقفٌ على هذه العائلة المفتداة، لأنّ العائلة هي المصدر الوحيد للحياة البشرية، الذي أسَّسَهُ الله وسَمَحَ به.
الطفل المولود حديثاً يخص العائلة، وليس له أيّ وجود مستقل عنها. وانتماؤه إليها هو الذي يشكِّل ويحدِّد حياتَه في الحاضر وفي المستقبل القريب. والعائلة المسيحية التي تَخُصّ الكنيسة، تجد في الكنيسة المصدر والمضمون والهدف السامي لوجودها كعائلة. وبالتالي فالطفل الذي يخص العائلة، ويخص الأم بشكل بيولوجي محسوس، يخص الكنيسة أيضاً، وهو طفلها الذي قُدِّم إلى الله وعُهِدَ به إليه. منذ أن يحصل الطفل على الحياة من الأم، ويكون واحداً معها، ينالُ حياة مقدّسة وقابلةً للنعمة، مثلما يُهَيَّأُ الموعوظ للمعمودية عند (دخوله تحت جناح الكنيسة) (راجع الصلاة على الموعوظ)، وحصوله على الكنيسة بوصفها أماً وحياةً، حتى قبل المعمودية.
كل هذه المعاني تُعبِّر عنها الصلاة التي يقرأها الكاهن وهو ينحني أمام الأم ويبارك الطفل الذي تحمله بين يديها:
أيها الرب الإله الضابط الكل، أبو ربنا يسوع المسيح، يا من خلقتَ بكلمتك كل طبيعة… إليك نطلب وإليك نبتهل. فطهّرْ من كل خطيئة عبدتك هذه التي خلّصتها بمشيئتك. ونقّها من كل دنس إذ هي مقبلة إلى كنيستك المقدّسة، لكي تستحق بغير مداينة تناول أسرارك المقدّسة. وبارك هذا الطفل المولود منها وأنمه وقدِّسه وفهِّمه وامنحه عقلاً رصيناً وذهناً ذكياً، لأنك أنت الذي أخرجتَه من العدم إلى الوجود وأريتَه النور الحسي لكي يستحق النور العقلي أيضاً في الوقت الذي حدّدته، وينضم إلى عدد رعيتك المقدّسة…
إدخال الأم إلى الكنيسة هو إعادتها إلى هيكل مجد الله الذي انفصلت عنه أربعين يوماً بسبب (المرض والاسترخاء)، أي إعادتُها إلى الكنيسة بوصفها شركةً في جسد المسيح ودمه. يقول الكاهن: (السلام لجميعكم). وهذا يعني أنّ الإدخال إلى الكنيسة يتم أثناء اجتماع المؤمنين، وأنه عودة الأم إلى الوحدة المنظورة للجماعة المسيحية. ثم يتلو الإفشين الذي يطلب فيه من الله أن (يرحضها من وسخ الجسد ودنس النفس… وأن يجعلها مستحقةً لتناول جسد المسيح ودمه المكرَّمين…).
أما الطفل فإنّ إدخاله إلى الكنيسة هو الإتيان به إليها وتقديمه إلى الله، مثلما قَدَّمت مريمُ المسيح نفسه (إلى الهيكل في تمام الأربعين يوماً، وحمله سمعان الصدّيق على ذراعيه…). إنه بدء (زياح) الطفل إلى المعمودية، كما يرد بوضوح في الإفشين الرابع والأخير:
فأنتَ أيها الرب الحافظُ الأطفال، باركْ هذا الطفل مع والديه وعرّابيه، وأهِّلْه في الوقت الموافق لإعادة الولادة بالماء والروح، وأحْصِهِ في عدد رعيتك المقدّسة، رعيةِ الخراف الناطقين المدعوين باسم مسيحك.
ولكنّ بهجةَ هذا الطقس ومعناهُ الأخير، كما عرفته الكنيسة واختبرته، يكمن في نور وفرح سرِّ مريم والدة المسيح. فالأم التي تقف عند مدخل الكنيسة، وهي تحمل الطفل بين يديها، وتستعد لتقديمه – وبالتالي لتقديم أمومتها نفسها – لله، تواجهها أم ثانية مع طفل ثانٍ بين يديها. إنا أيقونة والدة الإله، أيقونة التجسّد وقبولِ الخليقة له. لذلك توحِّد الكنيسةُ في صلواتها هاتين الأمومتين، مالئة الأمومة البشرية بالفرح والكمال الفريدين لأمومة مريم الإلهية. لقد ولدتْ مريم الطفل، وكانت متحدةً معه بوصفها أماً، وكان حياتَها كلَّها، وجعلَها (مملوءةً نعمة). أما الآن فتملأ هذه النعمة الكنيسة، وتأخذها الأم، ثم تعطيها حين تأتي بالطفل إلى الله.
وينتهي الإدخال إلى الكنيسة بعد الصلاة الرابعة والختم المعتاد. وعلى ضوء ما قلناه عنه، يمكننا أن نفهم الآن معنى الطقس الذي يلي Baptism، والذي تشير إليه التعليمات الطقسية بوصفه إدخالاً إلى الكنيسة، وهو في الواقع الخاتمة الخاصة بمعمودية الأطفال، والتي تميِّزها عن معمودية الراشدين. علمنا أنّ الليتورجيا الأخيرة (تحقَّقتْ) في زياح المعتمدين الجدد من بيت المعمودية إلى الكنيسة، وفي اشتراكهم بسرّ الشكر. ولكنّ الطفل لا يسعه أن (يتقدّم) في زياح، بل يجب أن يُؤخذ وأن يُؤتى به إلى الكنيسة. وهذا الطقس هو في الواقع Zayah نفسه ولكن بعد تكييفه مع الأوضاع الخاصة بمعمودية الأطفال:
يتناول الكاهنُ الطفلَ ويرسم به شكل صليب أمام أبواب الكنيسة، ويقول:
– يدخل عبد الله إلى الكنيسة، باسم الآب والابن والروح القدس، آمين.
إنَّ عبور الباب هنا يشير إلى المعمودية بوصفها دخولاً إلى الكنيسة، أي إلى الحياة الجديدة في ملكوت الله.
ثم يدخله إلى الكنيسة قائلاً:
– يدخل إلى بيتك ويسجد نحو هيكل قدسك.
يدخله إلى حياة الكنيسة بوصفها تسبيحاً وعبادة، أي (فرحَ وسلامَ وبِرَّ) الملكوت.
وحين يبلغ وسط الكنيسة يقول:
– في وسط الجماعة (الكنيسة) يسبّحك يا رب.
في وسط الكنيسة نفسها بوصفها (زياحاً) وصعوداً إلى الملكوت، إلى التحقّق النهائي لكل حياة في الله.
ثم يذهب به إلى أمام المذبح.
ويكتمل الطقس بالتسبيح الأخروي للقديس سمعان: (الآن تطلق عبدك أيها السيد بسلام… لأنّ عينيّ قد أبصرتا خلاصك…). تأخذنا المعمودية إلى الكنيسة، وتأخذنا الكنيسة إلى مائدة المسيح، فتجعلنا – منذ الآن، وفي هذا العالم وهذه الحياة – شركاء وشهوداً للخلاص الذي أعدَّه الله وتحقَّق في المسيح.
1- حول الخلفيّة الدينية العامة لهذه الطقوس، راجع:
_M. Eliade، The Sacred and the Profane، New York، 1959.
وخصوصاً الفصل الرابع، (الوجود الإنساني والحياة المقدّسة)، ص162 وما يليها.
_M. Eliade، Rites and Symbols of Initiation، New York، 1958.
_van der Leeuw، Religion، section 22: (The Sacred Life)، and section 49: (Purification).
حول الطقس نفسه، راجع: Almazov، Istoriia، p. 476ff.
2- – حول المعنى الديني للأسماء، راجع:
_H. Usener، Gotternamen، 1929;
_van der Leeuw، Religion، section 17.

