صلاة في الضيق – تأمّل في المزمور الثاني والستّين

لعلّه من أجمل الرسومات المسيحيّة القديمة الرمزيّة، هي صورة الأيائل المسرعة إلى نبع المياه. الغزال حيوان جميل وسريع، يحيا على قتل الأفاعي وأكلها. ولحم الأفعى ثقيل وقاسٍ وهذا ما يجعل الغزال يلتهب عطشاً في “أرض بريّة وعادمة الماء”. فيروح يبحث عن ماء في الصحراء. وتتوق نفسه وجسده إلى الماء. والمسيحيّ تتوق نفسُه في العالم إلى ماء الحياة كما تتوق نفس الغزال إلى الماء في الصحراء(26). هذا الرسم هو تشبيه مسيحيّ قديم لعطش النفس إلى الله.

مواصلة القراءة

الفصل الثالث – شرح الدستور المفصّل: من “وصعد الى السماء” حتى “التألّه”

15- وصعد الى السماء

في اليوم الأربعين من القيامة صعد يسوع الى السماء وجلس عن يمين الأب.

يمين الله – كلمة “يمين” في العبرية والسريانية والعربية تعني القوة والتكريم. فليس للآب يمين ويسار وعلو وعمق وأمام ووراء. هو فوق كل الحدود الزمانية والمكانية. انما الإنسان مرتبط منذ طفولته بحواسه. الجهد الروحي جهد إضافي للارتفاع فوق ارتباط الذهن بالمحسوسات.

مواصلة القراءة

الباب الثالث: الفصل الرابع: العهد

نقصد به العهد الذي بته الله مع شعبه في سيناء، وهي مرحلة بدء تحقيق وعد الله في ميثاق يرتبط به. هذه المرحلة يرويها سفر الخروج، وهو سفر أساسي في الكتاب المقدس، بل بمثابة موجز لكل معنى الكتاب. إن حادث خروج إسرائيل من مصر أساسي جداً في تاريخهم، إذ في الخروج يعون أنفسهم كشعب الله، وهم يتجهون إليه دائماً كإلى مصدر إسرائيل وينبوعه. وآباء الكنيسة بدورهم، يرون في سفر الخروج، الرسم الأكثر نقاوة وشفافية لسر المسيح، وهو السفر الذي تأملوا فيه أكثر من كل الأسفار. ذلك لأن الخروج يطابق وضع كل نفس مسيحية، ويبشر بأسرار المسيح بأكثر قوة.

مواصلة القراءة

العظة السابعة عشر: الرسالة إلى رومية – الإصحاح التاسع

” أقول الصدق في المسيح. لا أكذب وضميري شاهد لي بالروح القدس ” (رو1:9).

          1  هل كان كلامي غير واضح، حين كلمتكم في اليوم السابق عن أمور عظيمة ليست أرضية بل سمائية تتعلق بمحبة بولس للمسيح؟ وإن كانت الكلمات بحسب طبيعتها أعظم وأسمى من كل الكلمات المعتادة، إلاّ أن ما قيل اليوم يفوق بكثير ما قيل سابقاً، بقدر ما تتميز به تلك الكلمات على كلماتنا. وإن كنت لم أتصور أن هذه الكلمات التي قُرأت أكثر تميزاً، ولكن عندما سمعناها اليوم، ظهرت أكثر بهاء من كل الكلمات السابقة. وهذا بالضبط ما اعترف به الرسول بولس نفسه، فقد أشار إليه منذ البداية. لأنه كان ينوي الحديث عن الأمور الأعظم، حيث إن ما يريد أن يقوله قد لا يكون موضع تصديق من كثيرين. أولاً فهو يؤكد على ما يريد قوله، الأمر الذي اعتاد أن يصنعه الكثيرون، عندما يقولون شيئاً لا يكون موضع تصديق من كثيرين، لكنه كان مقتنعاً به جداً، خاصةً وأنه يقول:

مواصلة القراءة

العظة السادسة عشر: الرسالة إلى رومية – الإصحاح الثامن: 28-39

” ونحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله ” (رو28:8).

          1  يبدو لي أنه يتكلم في هذا الجزء، عن أولئك الذين يتعرضون للمخاطر، وليس هذا فقط، لكنه يُشير أيضاً إلى الأمور التي قيلت قبل هذه. لأن القول بأن ” آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا” وأن ” كل الخليقة تئن ” وقوله: “بالرجاء خلصنا ” و” نتوقعه بالصبر” و” لسنا نعلم ما نصلي لأجله” [1] . كل هذه الأقوال قيلت للذين يتعرضون للأخطار، فهو يُعلّمهم بألا يعطوا اهتماماً أكثر بالأشياء التي يعتقدون بأنها تحقق منفعة، بل يجب أن يفضلوا عليها الأمور التي هي بحسب الروح. خاصة وأن كثيراً من تلك الأمور التي تبدو لهؤلاء أنها نافعة تتسبب مرات كثيرة في حدوث خسارة كبيرة. إذاً من الواضح أن الراحة، والتخلص من الأخطار، والحياة في أمان، هي التي يسعى إليها هؤلاء.

مواصلة القراءة

العظة الخامسة عشر: الرسالة إلى رومية – الإصحاح الثامن: 12-27

” فإذاً أيها الاخوة نحن مدينون ليس للجسد لنعيش حسب الجسد. لأنه إن عشتم حسب الجسد فستموتون. ولكن إن كنتم بالروح تميتون أعمال الجسد فستحيون ” (رو8: 12-13).

          بعدما أظهر كيف أن مجازاة الحياة الروحية هي عظيمة، وأن المسيح يعمل في هذه الحياة، وأنه يحيي الأجساد الفانية ويعطي أجنحة للتحليق نحو السماء، ويجعل طريق التقوى سهلاً، يرى من الضروري أن يُضيف بعد ذلك كله، ناصحاً: فإذاً نحن مدينون ألا نحيا بحسب شهوات الجسد. ومن المؤكد أنه لم يقل هذا بشكل ضعيف، لكنه تكلم بأكثر حماس وأكثر قوة، قائلاً: نحن مدينون أن نحيا بالروح. وكونه يقول ” نحن مدينون ليس للجسد لنعيش حسب الجسد”، فهو يريد أن يؤكد ويشدّد على هذه الحقيقة. وفي كل موضع، يوضح أن تلك الأمور التي صنعها لنا الله، لا تمثل ديناً، لكنها تعتبر فقط دليل نعمة، بينما تلك الأمور التي نصنعها نحن بعد كل هذا، هي دليل دين. لأنه عندما يقول: ” قد اشتريتم بثمن فلا تصيروا عبيداً للناس” [1] فهذا هو ما يقصده. وعندما يكتب “.. أنكم لستم لأنفسكم “ [2] . فهو يعني بالضبط الأمر ذاته. وفي موضع آخر يُذكِّر أيضاً بتلك الأمور عينها، قائلاً: ” إن كان واحد مات لأجل الجميع فالجميع إذاً ماتوا .. كى يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم “ [3] . هذا بالضبط ما يُدلل عليه هنا، إذ يقول: ” نحن مدينون “.

مواصلة القراءة

الفصل العاشر – شخص الروح القدس

أ – المعزّي الآخر

وَعَد ربنا يسوع المسيح تلاميذه، قُبيل آلامه المكرَّمة: “وأنا أسأل أبي، فيهب لكم معزياً آخر، يبقى معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يتلقاه، لأنه لا يراه ولا يعرفه. أمّا انتم فتعرفونه، لأنه يقيم معكم وهو فيكم” (يو 14: 16-17). “ولكن المعزّي، الروح القدس، يرسله الآب باسمي، فيعلّمكم جميع الأشياء، ويذكّركم جميع ما قلته لكم” (يو 14: 26). “ومتى جاء المعزّي الذي أرسله لكم من لدن أبي، روح الحق المنبثق من الآب، فهو يشهد لي” (يو 15: 26). “إذا مضيت أرسله (المعزّي) لكم. ومتى جاء، أخزى العالم على الخطيئة والبرّ والحكم: أمّا على الخطيئة فلأنهم لم يؤمنوا بي….. لا يزال لديّ أشياء كثيرة أقولها لكم، ولكنكم لا تطيقون الآن حملها. فمتى جاء روح الحق أرشدكم إلى الحق كله، لأنه لا يتكلّم من عنده، بل يتكلم بما يسمع وينبئكم بما يحدث، سيمجدني لأنه يأخذ ممّا لي ويطلعكم عليه” (يو 16: 7-14).

مواصلة القراءة

الفصـل التاسـع – شخص الإله-الإنسان

أ – تجسّد الكلمة

“هلموا نبتهج بالرب مذيعين السرّ الحاضر. فقد زال سياج الحائط المتوسط. والحرّية المحرقة تنقلب عائدة والشاروبين يبيح رجوع الحياة. أمّا أنا فأعود إلى التمتع بنعيم الفردوس الذي نفيت منه قبلاً بسبب المعصية. لأن صورة الآب وشخص أزليته، المستحيل أن يكون متغيراً، قد اتخذ صورة عبد، آتياً بغير استحالة من أم لم تعرف زواجاً، فلبث إلهاً حقيقياً كما كان، واتّخذ ما لم يكن، إذ صار إنساناً لمحبته البشر. فلنهتف: يا من وُلد من البتول، اللهم ارحمنا”.

مواصلة القراءة

من أجل فهم أفضل للقداس الإلهي

تمهيد

ليست هذه الصفحات ترجمة جديدة لخدمة القداس الإلهي التي كتبها القديس يوحنا الذهبي الفم. ولا هي دراسة لهذه الخدمة متسلسلة. كذلك لا تحتوي شروحات تاريخية ولا توسيعات لاهوتية { من أجل المزيد من المعلومات على القداس الإلهي، راجع (مدخل إلى القداس الإلهي)، لكوستي بندلي، و (من أجل فهم الليتورجيا وعيشها) لرهبنة دير الحرف، و (ذبيحة التسبيح) لفريدا حداد، و (مائدة الرب) للأب افناسييف، و (الكنيسة الأرثوذكسية إيمان وعقيدة) لتيموثي وير، و (العبادة الفردية والعبادة الجماعية) للأب فلوروفسكي، كلها في منشورات النور (الناشر) }. هي تعليقات (notes) بسيطة، أي ملاحظات مختصرة تُبرز بعض المقاطع من نص الخدمة وبعض المواضيع الرئيسة من هذه الصلاة الطويلة والكثيرة الغنى التي حملها القديس يوحنا الذهبي الفم من أنطاكية إلى القسطنطينية في القرن الرابع، والتي هي، في خطوطها العريضة، مثبتة في مخطوطات يونانية من القرن الثامن. ولقد أردنا توجيه انتباه المؤمنين وتفكيرهم إلى بعض الذرى الروحية في هذا النص.

مواصلة القراءة

تأنس الكلمة

القدّيس يوحنّا اللاهوتيّ الإنجيليّ هو، بامتياز، رسول ألوهة السيّد المسيح وتجسّده أو تأنّسه (أي صيرورته إنساناً). فهو يؤكّد في فاتحة إنجيله أنّ كلمة الله، الإله الكائن منذ الأزل، صار بشراً وسكن في ما بيننا، وأصبح إنساناً تامّاً “فسمعناه، ورأيناه بأعيننا، وتأمّلناه، ولمسته أيدينا”، كما يقول يوحنّا نفسه في مستهلّ رسالته الأولى الجامعة (1: 1). فيجعل يوحنّا الإيمان بالتأنّس شرطاً أساسيّاً ومميّزاً للإيمان المسيحيّ الحقّ، فيتابع قائلاً: “بهذا تعرفون روح الله: إنّ كلّ روح يعترف بأنّ يسوع المسيح قد أتى في الجسد، هو من الله؛ وكلّ روح لا يعترف بيسوع ليس من الله” (4 :2-3).

مواصلة القراءة

محبة الآب

يسوع المسيح هو الذي كشف لنا أن الله “آب” بكل ما يحمله هذا الاسم من محبة ورحمة وحنان. أبوة الآب ليست مجرد وصف لعلاقة الآب بالابن الوحيد وحسب، بل مصدر كلّ أبوة إنسانية، فالرسول بولس يقول: “لهذا السبب أجثو على ركبتيّ لأبي ربنا يسوع المسيح الذي منه تُسمى كل أبوة في السموات وعلى الارض” (أفسس 3: 14-15).

مواصلة القراءة

المجمعين الأنطاكيين الثاني والثالث

تدخل الأساقفة: وهكذا انقسمت أنطاكية واتسع الشق فتدخل أساقفة الكنائس المجاورة، إذ اشتدت المشادة في أنطاكية دعا الينوس أسقف طرسوس أخوته الأساقفة في كنيسة أنطاكية إلى اجتماع في أنطاكية للنظر في قضية أسقفها. فلبى الدعوة كثيرون ومن أشهرهم كما يقول أفسابيوس، فرميليانوس أسقف قيصرية قبدوقية وغريغوريوس العجائبي أسقف قيصرية الجديدة في بلاد البونط -إذ كانت بلاد البونط حتى مجمع نيقية تتبع لأنطاكية- وأخوه اثينودوروس ونيقوماوس اسقف ايقونية وهيميناوس أسقف أورشليم وثيوتيقنوس أسقف قيصرية فلسطين ومكسيموس أسقف بصرى حوران. وأرسلوا دعوة إلى ديونيسيوس أسقف الاسكندرية لما عُرِف عنه من حكمة ودراية ودفاعه. وأراد أن يحضر الاجتماع إلا أنه اعتذر لتقدمه في السن. فأرسل لهم أفسابيوس الشماس الاسكندري لينقل لهم رسالته في مسألة بولس. وهذا الشماس كان معروفاً بتمسكه بالإيمان القويم وتضحيته في سبيل المحافظة على نقاوة الإيمان.

مواصلة القراءة