قداسة وشفاعة القديسين بين الأرثوذكسية والمعمدانيين

لا نخالف المعمدانيّين بأنّ العهد الجديد سمّى المؤمنين المجاهدين “قدّيسين”. ولكنّنا نخالفهم حول أمور عديدة، منها: سبل تحقيق القداسة، وحقّ الكنيسة في إعلان قداسة الذين انتصروا على الخطيئة والموت، وتالياً الصلاة إلى القدّيسين المنتصرين أو معهم (فنلي م. جراهم، اللاهوت النظاميّ، صفحة 234؛ روبرت أ. بايكر، سير المعمدانيّين في التاريخ، صفحة 138).

Continue reading

في إكرام القديسين

لقد غلب المسيح العالم. إن هذه الغلبة قد كُشِفت وتُمِمَت أكثر في حقيقة تأسيس المسيح لكنيسته. لقد حصلت وحدة الجنس البشري بحق لأول مرة في المسيح وبالمسيح، لأن الذين آمنوا بإسمه صاروا جسد المسيح. وبالإتحاد بالمسيح أيضاً يتحدون مع بعضهم البعض في إتفاقٍ أكثر صدقاً في المحبة. ففي هذه الوحدة العظيمة تُزال جميع الإمتيازات والحواجز المصطنعة: إن فوارق الولادة بالجسد تُطمس بوحدة الولادة الروحية. إن الكنيسة هي الشعب الجديد الممتلئ من النعمة، التي لا تتطابق مع أية حدود طبيعية وأية أمة أرضية. لا اليونانيون ولا اليهود، وإنها الجهاد في الإيمان بواسطة “سر المعمودية”، بالإتحاد مع المسيح في “جرن المعمودية الحاوي الأسرار”، “صائرين أبناء بالنعمة”، أي “أبناء الله” الذين من أجلهم خُلِقَتْ جميع الأشياء مما في السماء ومما على الأرض. ففي المعمودية المقدسة، يترك الذي سيستنير “هذا العالم” وينبذ أباطيله كأنه ومتعدياً النظام الطبيعي للأشياء، فمن طاعة قانون “الجسد والدم” يدخل المرء طاعة قانون النعمة. فإن جميع الروابط الوراثية وكل روابط الدم تُقطَع. لكن الإنسان لا يُترك منعزل ووحيداً. لأنه حسب تعبير الرسول “جميعنا إعتمدنا بالروح الواحد”، ليس سكيتي وبربري. وهذه الأمة لا تنشأ من خلال علاقة الدم ولكن من خلال الحرية في جسد واحد. إن المعنى الكامل للمعمودية المقدسة يكمن في الحقيقة تلك أنها القبول السري في الكنيسة، في مدينة الله في ملكوت النعمة. من خلال المعمودية يُصبح المؤمن عضواً في الكنيسة فيدخل “الكنسية الواحدة من الملائكة والبشر” ويُصبح “مواطناً للقديسين وإلى الأبد مع الله”، حسب أقوال القديس بولس المكتنفة الأسرار والمهيبة- يأتي المرء “إلى جبل صهيون وإلى مدينة الله الحي أورشليم السماوية وإلى ربوات هم محفل الملائكة وكنيسة أبكار مكتوبين في السماوات وإلى الله ديَّان الجميع وإلى أرواح أبرار مُكَمَّلِين” وفي هذا الحشد العظيم يتحد بالمسيح. لأنه (“مسيحي واحد يعني لا مسيحي” “unus Christian- nullus Christian”).

Continue reading

في القديسين وفي وجوب تكريهم وتكريم رفاتهم

يجب تكريم القديسين لأنه أحبّاء المسيح وأبناء الله وورثته، كما يقول يوحنا اللاهوتي والإنجيلي: “كل الذين قبلوه أعطاهم أن يكونوا أبناء الله”. (يو 1: 12)، “حتى إنهم ليسوا بعدُ عبيداً بل هم أبناء. وإذا كانوا أبناءً فهم وارثون بالله” (غل 4: 7) ووارثون مع المسيح. وقد قال الرب لرسله في أناجيله المقدّسة: “أنتم أحبّائي… لا أسمِّيكم عبيداً بعد، لأنّ العبد لا يعلم ما يصنع سيّده” (يو 15: 14-15). ولمّا كان يُقال لصانع الجميع وسيّدهم “ملك الملوك ورب الأرباب” (رؤيا 19: 16) وإلهُ الآلهة (مز 49: 1)، فإنه يُقال حتماً للقدّيسين أيضاً آلهة وأرباباً وملوكاً، لأنّ الله هو -ويُقال له- إلهُهم وربُّهم وملكُهم. وقو القائل لموسى: “أنا إلهُ أبيك، إلهُ إبراهيم وإلهُ إسحق وإلهُ يعقوب”(خر 3: 6). وقد “جعلَ الله موسى إلهاً لفرعون”(خر 7: 1). وقولي (القديس يوحنا الدمشقي) فيهم بأنه آلهة وملوك وأرباب ليس بالطبيعة، بل ذلك لأنهم ملَكوا أهواءَهم وضبطوها وحفظوا بلا انثلام مثالَ الصورة الإلهيّة التي وُلدوا فيها. فإنه يُقال أيضاً لصورة الملك ملكاً. ثم لأنهم اتحدوا بالله باختيارهم وقبلوا إسكانه فيهم، وبامتزاجهم به بالنعمة صاروا ما هو عليه بالطبيعة. فكيف إذاً لا ينبغي أن نكرِّم أولئك الذين أصبحوا خدّام الله وأحبّاءه وأبناءَه؟ لأنّ الإكرام الواصل من الرفاق في العبوديّة إلى مَن حَسُنَ ولاؤُهم لسيّدهم لهو برهانٌ على صدق النية نحو السيّد العامّ!

Continue reading

القديس يوحنا الدمشقي والمجمع السابع

تظهر مسألة الأيقونات التي أثيرت في بيزنطية في نهاية القرن السابع في القانون الثاني والثمانين من قوانين مجمع ترولو ( القبة). وأهمية هذا النص أنه يلقي ضوءً على المسألة الخريستولوجية.

نص القانون الثاني والثمانين من قوانين مجمع ترولو:

” نشاهد في بعض الأيقونات المكرمة صورة حمل والسابق يشير إليه بأصبعه. وقد كان الحمل يعتبر رمزاً للنعمة. فإن الشريعة قديماً أشارت إلى المسيح إلهنا الذي هو الحمل الحقيقي. ولكن لمّا كانت الرسوم القديمة والظلال قد اتُخذت رموزاً للحقيقة. فنحن في الكنيسة نفضّل “النعمة والحق” وقد أعطيناهما متممين للشريعة. ولكي يظهر الكامل بارزاً على الأقل في صورة ملوّنة للعيون. نأمر بأن يعرض الحمل الذي رفع خطايا العالم في الصور من الآن فصاعدا بالشكل الإنساني عوض رسم الحمل القديم. فيفهم الجميع بذلك عمق اتضاع الله الكلمة ونتمكن من أن نعيد إلى ذاكرتنا سيرته بالجسد بيننا وآلامه الخلاصية وموته الفدائي من أجل العالم كله”.

Continue reading

لماذا نضيء الشموع أمام الأيقونات

أولاً: تعبّر الشمعة تعبيراً تصويرياً دقيقاً عن وقفة العابد أمام الله ! فهي تظهر هادئة ساكنة وقلبها يشتعل اشتعالاً بنار ملتهبة تحرق جسمها البارد الصلب فتذيبه إذابة وتسكبه دم وعاً، تنحدر متلاحقة تاركة خلفها هالة من نور يسعد بها كل من تأمّل فيها أو سار على هداها .

إن الشمعة الموقدة في بيت الله هي دعوة للعبادة الهادئة الحارّة المنيرة.

Continue reading

القديسة مريم في إنجيل البشارة

أريد أن أنطلق اليوم في حديثي مِن أنَّ ما تسلَّمته الكنيسة من الرسل واحدٌ هو ولكن اجتهاداتٍ لاحقة دَخَلَت عليه فصار الانقسام غير المرغوب فيه أمراً حتمياً. اخترتُ أن أتكلَّم هذه الليلة عن تكريم السيدة العذراء في الكنيسة، النابع من مكانتها في إيماننا المسيحي. وأول ما يحسن أن نبدأ به هو شهادة الرسل في الكتاب المقدس ومن ثم ننتقل إلى تَلَمُّس هذه المكانة في التسليم الرسولي المعاش في الكنيسة من خلال صلواتها.

Continue reading

تكريم الكنيسة للسيدة العذراء

للعذراء مريم من بين جميع القديسين مكانة خاصة، والأرثوذكسيون يعظمونها باعتبارها (أشرف من الشيروبيم وأرفع مجداً بغير قياس من السيرافيم). وفي حين تُعظّم وتُكرّم والدة الإله بهذا الشكل، فمن المهم الملاحظة أن الكنيسة الأرثوذكسية لا تدعو أبداً إلى عبادتها كعبادتنا لله. فالتمييز واضح جداً في التعبير اللغوي الخاص باللاهوت اليوناني: فهناك كلمة خاصة مكرّسة لعبادة الله (Latreia) بينما هناك عبارات مختلفة تُستخدم بالنسبة لتكريم العذراء ألا وهي: (Duleia، Hyperduleia، Proskynesis).

Continue reading

لماذا نطلب شفاعة القديسين؟ – الرد على رفض شفاعة القديسين

لماذا نطلب شفاعة القديسين؟ أ لم يوصِ المسيح أن نصلي لله فقط و ليس للقديسين؟ هل يستطيع القديسون أن يسمعوا صلواتنا و يستجيبوا لها وهم أموات؟ هل يوجد مخلّص آخر سوى المسيح؟ ولماذا نحتاج إلى وسطاء بيننا وبين المسيح؟

هل يوجد شفاعة للقديسين؟ هذه سؤال تقليدي لجميع البروتستانت تقريباً ولسواهم، ممن لا يعرفون الكتاب المقدس والكنيسة حق المعرفة، وبخاصة أن مفهوم شفاعة القديسين قد تلوث بالاعتقادات الشعبية والخرافات على مدى العصور. لنحاول الإجابة عليها باختصار، ذاكرين بعض الأمثلة الكتابية لا كلها، معتمدين قدر الإمكان على الكتاب المقدس لكي تصل الإجابة إلى أكبر عدد ممكن من القرّاء.

Continue reading

ضلالات السبتيين حول الأيقونة والقديسين وذخائرهم

يعتقد السبتيون انهم أطهر الناس طرّا، فهم-كما يعتبرون انفسهم- لم يتوهوا كما تاه مسيحيون كثيرون، اذ “طلّقوا” هم -وحدهم- تعاليم عديدة لا تتوافق والكتاب المقدس. ولعل ما يفضح كبرياءهم ويجعلك تعتقد انهم أقفلوا نهائيا على انفسهم وما يعتقدونه صحيحا، هو انهم رفضوا اي حوار مع الكنائس، وبقوا أنقياء ومحافظين على العهد الاول، كما يدّعون. ومن الأمور المضلّة التي يفتخرون بها أنهم يجدّفون على تكريم القديسين وذخائرهم وصورهم… والصلاة من اجل الراقدين والمسحة المقدسة، وغيرها… (انظر: إيمان الأدفنتست السبتيين، صفحة 273).

الموضوعان الاخيران (الصلاة من اجل الراقدين وسر الزيت المقدس) عولجا سابقاً. سنحاول، في هذا المقال، أن نفنّد انحرافهم حول عدم تكريمهم القديسين وصوَرَهم وذخائرَهم، على أن نتناول، في مقالات لاحقة، بعض انحرافاتهم الاخرى.

Continue reading