ميلاد المسيح تحقيق للنبوءات

إن النبي، بمعناه الديني، ليس هو فقط من يخبر عن الغيب، بل هو، قبل كل شيء، إنسان يتكلم باسم الله، يرى ما لا يراه الناس، لأنه ينظر إلى الأمور بعين الله، هو إنسان حلّ عليه روح الرب فسكن فيه، والله هو الذي يختار نبيّه ويدعوه ويرسله، ويطلب منه أن يعطي ذاته قلبا وفهما وروحا، على الرغم من الصعوبات والآلام التي يمكن أن يتكبدها في سبيل رسالته. هذه الرسالة لها وجهان: وجه يتعلق بالحاضر، ووجه بالمستقبل. فالنبي هو صوت صارخ أمام الشعب يُصلح الأخطاء ويشدّد على الأمانة للرب ويدافع عن المظلومين والمضطهَدين ويدعو الشعب إلى التوبة الحقيقية وينظر إلى المستقبل نظرة رجاء مبنية على مجيء الرب المخلّص الذي يفدي شعبه.

لقد تحدث الأنبياء بوضوح عن كثير من محطات السيد المسيح الأرضية، فرأوا ولادته ومكانها وبتولية أمّه مريم، وتحدثوا عن مجده، ولكن أيضا عن آلامه والإهانات التي تلقاها من الناس، والثمن الذي بيع فيه، والتشويه الذي لحقه من جراء الجراح، وانتهوا إلى انتصاره بالقيامة والوعد بالحياة الأبدية لكل من يؤمن به. هنا سنكتفي بعرض بعض النبوءات التي أشارت إلى ولادة المسيح المخلّص.

بدأ الوعد بمجيء المخلّص منذ لحظة سقوط آدم وحواء في الخطيئة، وذلك عندما قال الله للحية: “وأجعل عداوة بينكِ وبين المرأة وبين نسلك ونسلها، فهو يسحق رأسكِ وأنت ترصدين عقبه” (تكوين 3: 15). كاتب سفر التكوين يخبّر عن انتصار نسل المرأة الذي ليس سوى المسيح الذي قضى على الخطيئة والموت، والذي لم يكن له أبٌ بشري. وفي سفر التكوين أيضا نقرأ: لا يزول الصولجان من يهوذا ولا عصا القيادة من بين قدميه، إلى أن يأتي صاحبها وتطيعه الشعوب” (49: 10). هنا نجد وعداً بالمخلّص، وذلك عند زوال الصولجان، أي السلطة من نسل يهوذا.

أما في المزامير، فكثيرة هي الآيات التي تتحدث عن مجيء المخلّص، منها “ملوك ترشيش والجزر الجزيةَ يؤدون، وجميع الملوك له يسجدون، وكل الأمم له يخدمون” (72: 10 – 11). في العهد الجديد نجد تحقيقا لهذه النبوءة بسجود الملوك المجوس ليسوع وتقديمهم له الهدايا من ذهب ولبان ومرّ. وفي مكان آخر يرنّم الكاتب: “ها قد سمعنا إنه في أفراثه، وقد وجدناه في حقول الغاب. هناك أُقيمُ لداود نسلا وأُعدّ لمسيحي سراجا” (مزمور 132: 16 – 17). هنا يتعلق الموضوع بتابوت العهد، ولكن المهم في الأمر هو مكان وجوده، لأنه في أفراثه، أي بيت لحم، سيولد المسيح، أي في مكان وجود تابوت العهد. إذاً، الإشارة واضحة إلى أن الله سيعلن مجده في بيت لحم، ذلك أن تابوت العهد هو رمز لسكنى الله في وسط شعبه وإظهار لمجده.

وما دام الكلام على بيت لحم، فالنبي ميخا يقول: “وأنتِ يا بيت لحم أفراثه، إنك أصغر عشائر يهوذا، ولكن منك يخرج لي من يكون متسلطاً على إسرائيل، وأصوله منذ القديم منذ أيام الأزل” (5: 1 – 2). لقد وجد الإنجيليون في هاتين الآيتين برهانا للدلالة على أن يسوع هو المسيح الموعود به. ونستطيع القول أيضا إنهما تشيران إلى الأصل الإلهي والأزلي لهذا المسيح المنتظَر، لا مجرد إنسان.

الآية التي أعلنها إشعياء النبي هي من أهم الآيات التي قيلت في مجيء المسيح. تقول الآية، “فلذلك يؤتيكم السيدُ نفسه آيةً: ها إن العذراء تحمل فتلد ابنا وتدعو اسمه عمّانوئيل” (7: 14). صحيح أن إشعياء يشير مباشرة إلى ولادة طفل للملك آحاز، ولكن من خلال الاسم المطلق على الطفل (الله معنا) فإن إشعياء نظر إلى أبعد من الظروف الراهنة، فيرى تدخلا من الله لإرساء الحكم المسيحاني الأبدي. من هنا، رأى الإنجيليون ومن بعدهم الآباء في هذه النبوءة تبشيراً صريحاً لميلاد المسيح. أمّا فيما يخص لفظ “العذراء”، الوارد في الآية، فهو مأخوذ عن الترجمة اليونانية للكتاب المقدس التي تمّت قبل ولادة المسيح. أما في النص العبري فيرد لفظ “عَلْمَه” الذي يعني “صبيّة” أو امرأة لم يمضِ زمان طويل على زواجها. وما الترجمة اليونانية لهذا اللفظ ب”العذراء” إلا دليل على أن التفسير اليهودي القديم قد فهم الآية على إنها تعني امرأة عذراء وهذا ما سيتبنّاه الإنجيل. فمتىّ الإنجيلي (1: 23) يرى في هذه العبارة إشارة إلى الحَبَل البتولي بالمسيح.

يقول القديس إيرونيمُس (+419) معلقاً على النبوءات الواردة في سفر إشعياء النبي فيما يخص ولادة المسيح وأعماله وآلامه: “ينبغي إطلاق لقب الإنجيلي على إشعياء، وليس فقط لقب النبي. فإننا لا نلتمس عنده أنه يتنبأ عن المستقبل، بل كأنه يسرد أخبار الماضي”. كم يصحّ هذا الكلام على الكثير من النبوءات التي لن نفهمها إلا في ضوء مجيء المسيح المخلّص، الذي حقّق كل النبوءات، وتاليا كل العهد القديم، في حياته وأعماله وأقواله. لا يُقرأ هذا العهد إلا في هذا الإطار.

عن نشرة رعيتي 1999

arArabic
انتقل إلى أعلى