هي غير مخلوقة، لا مبدأ لها، لا تموت، لا تُحصى، أبدية، لا مادية، صالحة، خالقة، عادلة، مُنيرة، لا تتحوّل، لا تنفعل، لا يُحاط بها، لا تُوسع، لا تُحد، غير محدودة، لا تُرى، لا يستوعبها الفكر، لا ينقصها شيء، لها قوتها وسلطتها من ذاتها، قديرة، محيّية، كاملة القوة ولا حدَّ لقوّتها، تُقدس وتمنح ذاتها، تحيط بالكل وتضم الكل وتعتني بالكل، وكلّ هذه الميزات وما شاكلها هي لها من طبيعتها وليست مستجلبة من غيرها، بل هي نفسها تمنحُ مبروءاتها كل صلاح على قدر استيعاب كل منها.
بقاء الأقانيم أحدهم في الآخر ودوامهم – إنهم لا يفترقون ولا ينفصلون أحدهم عن الآخر، لأنّ في ما بينهم نفوذاً مطبقاً بلا سيلان، ليس إلى حدّ الاختلاط والامتزاج، بل حتى يكون أحدهم في الآخر، فالابن هو في الآب والروح، والروح في الآب والابن، والآب في الابن والروح، دون أيّ إدغام وانعجان واختلاط. وميزة حركتهم أنها واحدة وهي هي نفسُها، فإنَّ انطلاقة الأقانيم الثلاثة وحركتهم واحدة، مما لا تمكن رؤيته في الطبيعة المخلوقة.
ولما كان الوحي الإلهي وفعله واحداً وبسيطاً ولا يتجزَّأ ويتنوَّع في التوزيعات بأشكالِ الخيرات الممنوحة للجميع بما تقتضيه طبيعتهم الخاصة، فهو يبقى بسيطاً ومتكاثراً بلا تجرؤ في المتجزئات وجامعاً المتجزئات ومحوِّلاً إياها إلى بساطته نفسها. لأن الكل يبتغيه وينال فيه الكيان. وهو يُعطي الوجود كمقتضى طبيعتهم، وهو وجودُ الكائنات وحياة الأحياء ونطقُ الناطقين وتفكيرُ المفكّرين، لأنه فوق العقل وفوق النطق وفوق الحياة وفوق الجوهر.
وهو أيضاً ينفذ في الكلِّ بلا اختلاط ولا ينفذُ شيءٌ فيه. وهو بمعرفته البسيطة يعرفُ الكلّ. وبعينه الإلهية الكلية النظر، اللامادية، يرى الكل رؤيةً بسيطةً، الحاضرات والماضيات والمستقبلات، قبل حدوثها (دانيال 13: 42). وهو لا يخطأُ بل يغفر الخطايا ويخلّص. وهو يقدر على كل ما يشاء، ولكنه لا يشاء كل ما يقدر عليه، لأنه يقدر أن يُزيل العالم، ولكنه لا يشاء ذلك.
Related Posts
انبثاق الروح القدس
هذه الدراسة تتطلب من القارئ سلاماً روحياً ونقاوةً ...
الفصل التاسع: الثالوث لدى آباء الكنيسة
بعد كل توضيحاتنا السابقة، يبقى أن نتعرف على تعليم ...
الفصل الثامن: الأقنوم في اللاهوت المسيحي
نعود من جديد إلى الموضوع مزودين ببعض الفهم على ضوء...
الفصل الرابع - إله الإعلان
لن يستطيع الإنسان معرفة الحقيقة الإلهية، أي انه لن يتمكن من معرفة جوهر الله، إنما يعرف فقط أفعال الله غير المخلوقة، أي آثاره. ولكن التقليد الكنسي والكتاب المقدس يتحدّثان عن ظهورات محدّدة لله، أهمها ظهوره لإبراهيم بشكل ثلاثة ملائكة. ويقول آباء الكنيسة أن هذا الحدث هو الظهور الأول للثالوث القدوس في العهد القديم
الميلاد - ميلاد المسيح
عيد ميلاد المسيح كإنسان هو رأس الأعياد، بحسب ما يق...
3: 3 - الأقنوم
1 - لفظة شخص في العربية لقد تعرضنا مراراً في هذا ا...
سر الثالوث المقدس بحسب إعلان العهد الجديد
في العهد الجديد يعلن سر الثالوث الإلهي بجلاء تام م...
الفصل التاسع والعشرون - المناقب الأرثوذكسية
طبيعة الإنسان الحقيقية وحياته الحقيقية لا تنبعثان من المعطيات الأرضية، بل من الله المثلَّث الأقانيم نفسه، لأن الإنسان هو صورة الله. وإذا أردنا البحث عن حياة الإنسان الحقيقية يجب أن نقترب من الله ونتذوق حياته. فالحياة قرب الله هي وحدها الحياة "الطبيعية"، أي المتجاوبة مع طبيعة الإنسان الحقيقية. أمّا الابتعاد عن الله فهو الحياة "غير الطبيعية".
بدعة الخلاص في لحظة - الخلاص بين الشرق والغرب
الخلاص بين المفهوم الأبائي الأرثوذكسي والبدع الم...
الخلاص بين الشرق والغرب
الخلاص بين المفهوم الأبائي الأرثوذكسيوالبدع المتأث...


