في أن الإله لا يُدرك، وفي أنه ينبغي ألاّ نبحث ولا ندقّق في ما لم نتسلمه من الأنبياء والإنجيليين القدّيسين: -“الله لم يره أحد قط. الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو أخبر” (يوحنا 1: 18). فالإله إذاً يَعجز بيانه ولا يُدرك، لأنه “ليس يعرف الآب إلاّ الابن، ولا أحد يعرف الإبن إلا الآب” (متى 11: 27). ويعرف الروحُ القدس ما في الله كما يعرف روحُ الإنسان مافي الإنسان (1كور 2: 11). أما ماعدا الطبيعة الأولى السعيدة، فلم يعرف أحد قط الله، لا من البشر فحسب، حتى ولا من القوات الفائقة العالم، أي الكيروبيم والسيرافيم أنفُسهم إلا الذي اعتلن هو تعالى نفسه له.
بيد أن الله لم يدَعنا في جهل تامّ. فإنه قد زرع هو نفسُه في طبيعتنا جميعاً المعرفة بأنه تعالى موجود، والطبيعة نفسها – بائتلافها وانقيادها- تذيع هي أيضاً عظمةَ الطبيعة الإلهية. وقد أوضح لنا معرفته بالشريعة والأنبياء أول، ثم بابنه ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، ذلك على قدر استطاعتنا. لذلك، كل ما تسلّمناه من الشريعة والأنبياء والرسل والإنجيليين نتقبّله ونعرفه ونوقّره، غير فاحصين عمّا سوى ذلك البتة. فلمّا كان الله صالح، فهو فياض بكل صلاح، دون أن يخضع البتة لبخل وانفعال ما. فما أبعد البخل عن الطبيعة الإلهية الصالحة وحدها والمنزهة عن الانفعال! وعليه، لمّا كان تعالى يعرف كل شيء، وسبق فهيأ لكل ما يوافقه، فقد أعلن لنا كل ما يفيدنا أن نعرفه، وصمت عمّالا نستطيع احتماله. فاذاّ علينا نحن أن نؤثر ذلك، ونقنع به، “ولا نزيح الحدود القديمة” (أمثال 22: 28)، فنتجاوز التقليد الإلهي.
Related Posts
انبثاق الروح القدس
هذه الدراسة تتطلب من القارئ سلاماً روحياً ونقاوةً ...
نظرة على تعليم الكنيسة الكاثوليكية
- 1 -تعليم الكنيسة الكاثوليكية عن سر الثالوث الأقد...
صلاة السحر - مع المزامير الصباحية
بسم الآب والابن والروح القدس، أمين قدوس الله قدوس ...
في الكهنوت
توطئة ننشر في ما يلي ,,دروساً،، تلقاها رهبان دير ...
ألوهية وشخصانية الروح القدس في الكتاب المقدس
المقدمة من الصعب علينا أن نتكلم عن الروح القدس، أو...
الفصل التاسع: الثالوث لدى آباء الكنيسة
بعد كل توضيحاتنا السابقة، يبقى أن نتعرف على تعليم ...
شهود يهوه في محكمة الكتاب المقدس
المقدمة: إنه لتشويه مريع أن نعتمد في مباحثاتنا مع ...
الفصل العاشر - شخص الروح القدس
ليس الروح القدس غريباً عن طبيعة الآب، فهو يأتي من جوهره، أي أن كلاهما من جوهر واحد. لا يستطيع الإنسان أن يصل إلى هذه الحقيقة بمفرده، ولا بدّ أن يرشده الروح القدس نفسه، ولا نستطيع أن نضع له حدوداً، أو أن نفصله عن الآب والابن.
الطريق إلى ملكوت السماوات - للقديس اينوكنديوس كارزو ألاسكا
المقدمة (*) ينشد الإنسان النجاح والسعادة باشتياق. ...
الفصل الرابع - إله الإعلان
لن يستطيع الإنسان معرفة الحقيقة الإلهية، أي انه لن يتمكن من معرفة جوهر الله، إنما يعرف فقط أفعال الله غير المخلوقة، أي آثاره. ولكن التقليد الكنسي والكتاب المقدس يتحدّثان عن ظهورات محدّدة لله، أهمها ظهوره لإبراهيم بشكل ثلاثة ملائكة. ويقول آباء الكنيسة أن هذا الحدث هو الظهور الأول للثالوث القدوس في العهد القديم


