Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
PDF
☦︎
☦︎

أ – جامعيّة الرعيّة

قلنا أن الكنيسة تتشكل وتظهر في إقامة سرّ الشكر الإلهي واشتراكنا به، لأنه السرّ الذي يحوّل الجماعة، أي الرعيّة، إلى كنيسة (1كو10: 16-17). ويقول القديس إغناطيوس إن الكنيسة الجامعة تكون حيث يكون المسيح، معلناً بذلك أن جامعيّة الرعيّة جامعية داخليّة وليست خارجيّة (جغرافيّة). ففي سرّ الشكر الإلهي تكون الرعيّة كنيسة جامعة، لأن المسيح نفسه يكون حاضراً فيها. وهذا المفهوم يستند إلى تعاليم الكتاب المقدّس: “فقد بلغني أولاً أنه، إذا اجتمعت كنيستكم، تفرقتم فرقاً… أفليس لكم بيوت تأكلون وتشربون، أم أنكم تزدرون كنيسة الله وتهينون الذين لا شيء عندهم؟… فإني تلقيت من الربّ ما بلغّته إليكم، وهو أن الربّ يسوع في الليلة التي أُسلم فيها أخذ خبزاً وشكر، ثم كسره وقال: خذوا كلوا…” (1 كو11: 18-24).

الملاحظ هنا أن الرسول لا يستعمل لفظة الكنيسة بمعنى ثابت بل بمعنى متحرِّك، فيطلقها على الاجتماع الإفخارستي الذي يقيمه مسيحيّو كورنثوس. وبكلام آخر، فإن كل رعيّة تجتمع لإقامة سرّ الشكر تكون هي الكنيسة الجامعة (أنظر رو 16: 23). لذلك يتشدَّد الرسول في كلامه على الشقاق داخل هذه الاجتماعات، مؤكداً أن كل ما من شأنه تشويش هذه الوحدة الأسرارية هو إهانة لجسد المسيح واحتقار للكنيسة كلها (أنظر1كو11: 17-34، 1: 13). وتعبِّر الرعيّة عن حياة الكنيسة في ملئها من خلال حياتها الروحية التي تتحقق في كافة الرعايا ضمن أطر واحدة.

لكل رعيّة كهنتها الذين يقيمهم أسقف الأبرشية القانوني، وبواسطتهم يتأمَّن حضور المسيح والإتحاد به في الحياة الليتورجية، أي في المعمودية والميرون وسائر الأسرار المقدَّسة، وخاصة سرّ الأسرار: الإفخارستيا. ولا بدّ أن يعلم المؤمنون أنهم في كل مرّة يجتمعون لإقامة الليتورجيا الإلهية إنما “تجتمع كنيستهم” (1كو11: 18)، أي الكنيسة كلها (أنظر رو 16: 23). فكل عضو في الرعية هو عضو في الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة.

الرعيّة ليست جزءاً من الكنيسة بل هي كامل الكنيسة. وجامعيَّتها تنبع منها داخلياً بظهور المسيح في سرّ الشكر الإلهي. ففي هذا السرّ المقدّس يكون الأسقف الذي يذكره الكاهن حاضراً، وكذلك الكهنة والشمامسة وشعب الله كله، مع الفائقة القداسة والدة الإله وجميع القديسين. ويحضر الله الآب أيضاً، مرسلاً الروح القدس ليحوِّل الخبز الخمر إلى جسد المسيح ودمه. وتحضر الخليقة بأسرها من خلال التقدمة المقدّسة والذخائر والأيقونات والصليب وكل الأشياء المادية التي تُستخدم في الطقوس الليتورجية، فتغدو خليقة جديدة “في المسيح”. فالماء والزيت والبخّور والسعف (في الشعانين) والأزهار وعالم الله كله يتوحَّد في العبادة الإلهية، مستعيداً ما فقده بسقوط الإنسان، أي الوحدة الداخلية والعلاقة الصحيحة مع الله. وهي علاقة إفخارستيّة تسبيحيّة يرفعها الإنسان الذي يقرِّب هذه الأشياء كلها (1 أخ 29: 14-16).

في سرّ الشكر وفي حياة كنيستنا الليتورجية يُذكر كل شيء ويقرَّب إلى الله مجدّداً محور العالم كله. فيصبح القداس الإلهي وسائر الخِدم الليتورجية تحضيراً للفردوس وملكوت الله. ومن يشترك فيها فعلياً، يتذوَّق منذ الآن بدء ملكوت الآب والابن والروح القدس.

ب- “لنخرج بسلام…”

إنّ أعضاء الرعيّة جميعاً مدعوون إلى أن يحيوا حقيقة هذه الوحدة. ونحن مدعوون إلى أن تحوّل حياة رعيتنا إلى فردوس صغيرة، فنحيا مجدَّداً الوحدة مع المسيح رأس الكنيسة، ومع إخوتنا سائر أعضائها. وحقيقة الجسد الواحد (1كو10: 17) التي نُدعى لإحيائها في سرّ الشكر الإلهي، يجب أن نحياها أيضاً خارج الليتورجيا، في علاقتنا اليومية بسائر إخوتنا، حتى تكون حياتنا كلها سرّ شكر مستمر. لذلك يدعونا الكاهن في نهاية القداس الإلهي إلى أن “نخرج بسلام”، أي إلى أن تستمر هذه الأخوّة التي عشناها أسرارياً في الإفخارستيا، فتملأ حياتنا طوال أيام الأسبوع.

ولا بدّ من الاعتراف بأننا كثيراً ما نغفل هذا الأمر أثناء الخدمة الإلهية وبعدها، أي في علاقتنا اليومية مع أعضاء رعيّتنا، مدركين أن سرّ الشكر هو سرّ الاشتراك مع المسيح ومع الإخوة في آن. ولذلك لا نشعر بثماره في حياتنا اليومية. وهذا ما يجعلنا غير قادرين على تذوّق ملكوت السموات من خلاله. ولعلّ أهم معاني الاشتراك في هذا السرّ أننا لا نستطيع الاتحاد بالمسيح، رأس الجسد الواحد، إذا لم نكن متّحدين مع جميع أعضاء هذا الجسد. لذلك يقول بولس الرسول: “فإنكم حسد واحد وروح واحد، كما إنكم دُعيتم دعوة رجاؤها واحد. وهناك رب واحد وإيمان واحد ومعمودية واحدة، وإله واحد أب لجميع الخلق” (أف4: 4-6). ومن ينسى هذه الحقيقة الأساسية لا يستطيع أن يتحد بالمسيح.

ج – المواهب في حياة الرعيّة

تختلف غيرة أعضاء الرعيّة بسبب اختلاف قدراتهم على الإيمان الحار وعلى محبة الله والإخوة. إلاّ أن الأعضاء الغيورين يشكِّلون الخميرة الروحية التي تستطيع، على قلّتها، أن تخمِّر العجين كله (متى13: 33، 1كو5: 6). أو كالملح الذي مهما قلّت كميّته يكون ذا تأثير كبير، و”صالحاً” (مر9: 49، أنظر متى5: 13، لو14: 34). وهذا يعني أن جميع المواهب يجب أن تُستعمل لـ “بنيان الكنيسة” (1كو14: 12): “ابتغوا البنيان في كل شيء” (1كو14: 26)، وأن يضع المؤمن نصب عينيه أن أعماله كلها يجب أن تهدف إلى بنيان الكنيسة. وهذا ما تحدَّث عنه بولس مطوَّلاً: “كل واحد يتلقى من تجلّيات الروح لأجل الخير العام. فأحدهم يتلقى من الروح كلام الحكمة، والآخر يتلقى وفقاً للروح نفسه كلام المعرفة، وسواه الإيمان في الروح نفسه، والآخر هبة الشفاء بهذا الروح الأحد، وسواه القدرة على الإتيان بالمعجزات، والآخر النبوة، وسواه التمييز ما بين الأرواح، والآخر التكلّم بمختلف اللغات وسواه ترجمتها وهذا كله يعمله الروح الأحد نفسه موزِّعاً مواهبه على كل واحد كما يشاء. وكما أن الجسد واحد وله أعضاء كثيرة وأن أعضاء الجسد على كثرتها ليست إلاّ جسداً واحداً، فكذلك المسيح. أنّا قبلنا المعمودية جميعاً في روح واحد لنكون جسداً واحداً، أيهود كنّا أم يونانيين، عبيداً أم أحراراً، وأنّا ارتوينا من روح واحد” (1كو12: 7-13). “ولكن الأعضاء كثيرة والجسد واحد. فلا تستطيع العين أن تقول لليد: لا حاجة بي إليك، ولا الرأس للرجلين: لا حاجة بي إليكما. فالأعضاء التي نحسبها أضعف الأعضاء في الجسد هي ما كان أشدّها ضرورة” (1كو12: 21-22). “فكما أن لنا أعضاء كثيرة في جسد واحد، وليس لجميع هذه الأعضاء عمل واحد، فكذلك نحن في كثرتنا جسد واحد في المسيح لأننا أعضاء بعضنا لبعض” (رو12: 4-5). “إن الله نظّم الجسد ليزداد كرامة ذاك الذي نقصت فيه الكرامة، لئلاّ يقع في الجسد شقاق، بل ليهتم الأعضاء بعضها ببعض. فإذا تألم عضو تألَّمت معه سائر الأعضاء، وإذا أُكرم عضواً سُرت معه سائر الأعضاء. فأنتم جسد المسيح وكل واحد منكم عضو منه” (1كو 12: 24-27).

ويقول القديس غريغوريوس الكبير أن جميع أعضاء الكنيسة قد نالوا موهبة النور الحقيقي، وإن الذين يتبوأون المناصب العليا فيها متّحدون بمن يقومون بأدنى الأعمال وأوضعها، لأنهم جميعاً جسد واحد، وكل منهم خادم الآخرين: “فلا يعتقدنّ احد أن موهبة النور التي يملكها هي له وحده”.

إن أعضاء الجسد تتساعد كلها من أجل تنفيذ العمل، فبعضها يرى نور النهار، وسواه يبقى ملتصقاً بالأرض. العين التي تلتفت إلى النور يجب أن تحفظ من الغبار كي لا تعمى، ولكن الرجِل التي ترفعها عن الأرض لا يضيرها الالتصاق الغبار. فجميع الأعضاء تخدم بعضها بعضاً بالتساوي. الرجِل تمشي من أجل والعين تنظر لتُنير طريق الرجِل.

والأمر نفسه يحصل في الكنيسة. فأعضاؤها يتوزَّعون الوظائف المختلفة ولكنهم يتّحدون بالمحبة، فيكون كل منهم مساعداً للآخرين، دون تمييز بين مركز رفيع ومركز وضيع، لأن كل وظيفة في الجسد تحتاج إلى سواها. لذلك يتابع القديس غريغوريوس قائلاً: “إن موهبة النور لا ينالها أولئك الذين يتبوأون المناصب الأولى في الكنيسة وحسب، بل سائر أعضائها أيضاً، مهما كانت أعمالهم متواضعة”.

يجب ألاّ ينفصل أحد منّا عن الإخوة أو أن يخفي عن الله الملكات التي منحه إياها لكي يستخدمها في بنيان الإخوة. ومن يفعل ذلك يكون عبداً بطّالاً وليس عبداً صالحاً (متى24: 45-51، 25: 14-30، لو12: 43-46، 19: 12-27). فواجبنا أن نساهم، بعزم ومسؤولية، في حياة رعيّتنا ونشاطاتها، بحسب المواهب التي نالها كل منا ولا يحق لنا أن نتنكّر لخدمتنا أو أن نتأخرَ في تلبيتها عندما نُدعى إلى ذلك. “وليخدم بعضكم بعضاً، كل واحد بما ناله من نعمة كما يحسن بالوكلاء الصالحين على نعمة الله المتنوعة. وإذا تكلّم أحدكم فليكن كلامه كلام الله. وإذا خدم أحدكم فلتكن خدمته كأنما هي انتداب من الله، حتى يُمجَّد الله في كل شيء بيسوع المسيح” (1بط4: 10-11. أنظر 1كو14: 16-19).

“هلموا أيها المؤمنون نعمل بنشاط للسيّد، لأنه يوزِّع الغنى على عبيده. وليضاعف كل منّا وزنة النعمة حسب طاقته. فليتزيَّن الواحد بالحكمة بواسطة الأعمال الصالحة، والآخر فليكمِّل خدمة بهيّة. فليعط الواحد القول بإيمان العادم الاستنارة، والآخر فليوزِّع الغنى على البائسين، لأننا بهذا نضاعف القرض كوكلاء أمناء للنعمة، فنستحق الفرح السيّدي. فأهِّلنا له، أيها المسيح، بما أنك محب للبشر” (في سحر الثلاثاء العظيم المقدّس).

فهلمّوا أيها الأخوة المؤمنون نعمل على تنمية المواهب التي يوزِّعها الربّ بوفرة على عبيده. وليحاول كل منّا أن يضاعف الملكات المعطاة له. ولينقل كل منّا الحكمة بأعماله الصالحة، وليقدِّم الآخر إلى المجتمع بأسره خدمات باهرة. أمّا الذي عرف الإيمان فلينقله إلى من يعيش في الجهل. ومن له أموال فليفَرقَها على الفقراء. وهكذا نضاعف الوزنة التي وهبها الله لنا، فنستحق الفرح السيّدي، كوننا أمناء على المواهب الإلهية.

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
PDF

معلومات حول الصفحة

عناوين الصفحة

محتويات القسم

الوسوم

arArabic
انتقل إلى أعلى